: آخر تحديث
بعد ستة أشهر من الاستنزاف واشنطن تنتقل من تدمير القدرات إلى خنق الاقتصاد

من القنبلة إلى العقوبات: لماذا عجزت القوة الأميركية عن حسم الحرب مع إيران؟

5
9
4

بعد ستة أشهر من الحرب، لم تعد المواجهة الأميركية ـ الإيرانية تُقاس فقط بعدد الطائرات التي أقلعت من القواعد أو الصواريخ التي سقطت على المنشآت الإيرانية. فقد انتقلت المعركة تدريجيًا من مدارج القواعد وحاملات الطائرات إلى المصارف وشبكات النفط والشحن والتأمين والعملات.

لم تتخلَّ واشنطن عن الخيار العسكري لأنها أصبحت مقتنعة بأن الحرب خطأ، ولم تنتقل إلى العقوبات لأنها اكتشفت فجأة أن الاقتصاد أكثر إنسانية من القنابل. ما حدث أقرب إلى إعادة حساب للكلفة والعائد. فالطائرات الحربية والصواريخ الدقيقة تستطيع تدمير منشأة، واغتيال قائد، وتعطيل قاعدة، لكنها لا تستطيع وحدها محو المعرفة العلمية، ولا ضمان اختفاء القدرة الصناعية، ولا إجبار دولة بحجم إيران على قبول شروط سياسية لا تريدها.

في المقابل، فإن نقص الذخائر، وارتفاع كلفة الحرب، واضطراب أسواق الطاقة، والضغط السياسي الداخلي، قد يفعل ما لا تستطيع القنبلة فعله. وهكذا تحولت الحرب من استنزاف عسكري إلى استنزاف اقتصادي. فما الذي دفع واشنطن إلى الانتقال من القصف المكثف إلى الحصار المالي؟ وهل تستطيع العقوبات أن تحقق ما لم يحققه السلاح؟ وهل الهدف هو إسقاط النظام الإيراني، أم إجباره على التفاوض بشروط أميركية؟ وأين يمكن أن تنتهي مواجهة بات فيها مضيق هرمز، أكثر من أي وقت مضى، جزءًا من معادلة الحرب والسلام؟

كلفة الحرب: عندما يصبح الانتصار مكلفًا

لم تكن الضربات الأميركية ضد إيران مجرد استعراض للقوة، بل حربًا مباشرة استمرت أشهرًا، شملت استهداف القيادة العسكرية، وضرب مواقع صاروخية ونووية، وعمليات بحرية مرتبطة بأمن الملاحة.

وقد حققت الضربات نتائج عسكرية حقيقية. فقد أضعفت الدفاعات الجوية والقدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، وألحقت أضرارًا كبيرة بالمنشآت النووية، كما أدت الضربات الأولى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين. لكن المشكلة الأميركية لم تكن في القدرة على الضرب. كانت في تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية.

بلغت الكلفة المباشرة للحرب، وفق تقدير وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أمام الكونغرس في تموز (يوليو)، نحو 37.5 مليار دولار، وهو تقدير يشمل تكاليف الحرب حتى نهاية السنة المالية، ولا يمثل بالضرورة الكلفة الكاملة لإعادة بناء المخزونات أو إصلاح الأضرار التي لحقت بالقواعد والمنشآت الأميركية. كما أقر البنتاغون بأن الحرب استنزفت موارد وذخائر تحتاج إلى تعويض. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالولايات المتحدة تستطيع تحمل حرب مكلفة أكثر من إيران، لكنها ليست دولة بلا حسابات. كل صاروخ اعتراضي يُطلق، وكل قطعة سلاح تُستهلك، وكل قاعدة تحتاج إلى إعادة تأهيل، تعني موارد يجب تعويضها. والأهم أن الحرب لا تجري في فراغ استراتيجي. فواشنطن تحتاج إلى الاحتفاظ بقدراتها لمواجهة محتملة في أوروبا وآسيا، ولا تستطيع استنزاف مخزوناتها إلى ما لا نهاية في حرب واحدة، مهما كانت أهميتها. ولهذا فإن الاستنزاف العسكري لا يعني عجز الولايات المتحدة، وإنما يعني أن استمرار الحرب بالسقف نفسه أصبح أكثر كلفة من تحقيق أهدافها عبر وسائل أخرى. وهذه نقطة جوهرية لفهم التحول الأميركي. القنبلة تستطيع تدمير المنشأة، لكنها لا تستطيع تدمير المعرفة.

حققت الضربات العسكرية هدفًا مهمًا: تدمير جزء من القدرات الإيرانية. لكنها لم تحقق بالضرورة الهدف الأكبر: إنهاء القدرة الإيرانية على إعادة بناء ما دُمر. وهنا يظهر الفرق بين تدمير القدرة وتدمير المعرفة. يمكن تدمير منشأة نووية، لكن العلماء الذين يعرفون كيفية تشغيلها لا يختفون بالضرورة. ويمكن تدمير مصنع للصواريخ، لكن المهندسين الذين صنعوه يستطيعون بناء مصنع آخر. ويمكن اغتيال القيادة، لكن النظام السياسي والأمني الذي كان يحكم البلاد قد يستمر. ولهذا فإن الضربات قد تحقق نصرًا تكتيكيًا كبيرًا، من دون أن تنتج نصرًا استراتيجيًا نهائيًا. ومن هنا بدأ التفكير في سلاح مختلف. إذا كان القصف قد أضعف قدرة إيران على القتال، فلماذا لا تحاول واشنطن إضعاف قدرتها على إعادة بناء تلك القدرة؟ وهنا يأتي الاقتصاد.

العقوبات: سلاح الفقراء أم خيار الأذكياء؟

العقوبات ليست خروجًا من الحرب. إنها تغيير لطريقة خوضها. فبدلًا من تدمير المنشآت، تحاول واشنطن تجفيف الإيرادات التي تسمح لطهران بإعادة بناء المنشآت. وبدلًا من استهداف الصواريخ، تستهدف الأموال التي تشتري الصواريخ. وبدلًا من قصف ناقلات النفط، تحاول منع الشركات والمصارف وشركات التأمين من التعامل معها. وهذا هو جوهر المرحلة الجديدة.

في 24 آب (أغسطس) أطلقت وزارة الخزانة الأميركية رسميًا عملية "Economic Outcast"، أو "المنبوذ الاقتصادي"، ووصفتها بأنها حملة اقتصادية واسعة تهدف إلى قطع الشرايين المالية التي تسمح للنظام الإيراني بالبقاء. واستهدفت الإجراءات قرابة 60 كيانًا وشخصًا وسفينة، مع توسيع نطاق القطاعات التي يمكن أن تطالها العقوبات الثانوية لتشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.

وبعد أربعة أيام فقط، انتقلت الحملة إلى مرحلة أكثر حساسية عندما استهدفت وزارة الخزانة الأميركية وصول بنك مصري إلى النظام المالي الأميركي عبر فرعه في الإمارات، متهمة إياه بمعالجة مليارات الدولارات المرتبطة بالنظام الإيراني، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن مستعدة لتوسيع الضغط خارج إيران نفسها. وتقول الإدارة الأميركية إن الهدف هو الوصول إلى مرحلة يصبح فيها استمرار النظام الإيراني في تمويل مؤسساته العسكرية وشبكاته الخارجية أكثر كلفة من التفاوض.

بمعنى آخر، لم تعد الرسالة الأميركية: سنقصفك حتى تتراجع. بل أصبحت: سنمنع الآخرين من تمويلك حتى تضطر إلى التراجع. وهذا تحول استراتيجي بالغ الأهمية. لكن العقوبات تصطدم بمشكلة يعرفها الأميركيون جيدًا: إيران ليست دولة حديثة العهد بالعقوبات. لقد عاشت أربعة عقود داخل نظام العقوبات، وطورت خلال هذه الفترة اقتصادًا موازيًا وشبكات تهريب وشركات واجهة وأساليب لتغيير مسارات الشحن والملكية والتأمين وطرق الدفع. لذلك تستطيع العقوبات أن تُفقِر إيران، لكنها لا تضمن بالضرورة أن تُسقط النظام الإيراني.

إيران لا تحتاج إلى الانتصار.. يكفيها ألا تنهار

هذه ربما هي المعادلة الأهم في المرحلة المقبلة. واشنطن تحتاج إلى نتيجة سياسية يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي باعتبارها انتصارًا. أما إيران فقد يكون هدفها الأكثر واقعية هو البقاء.

إذا استطاعت طهران الحفاظ على مؤسسات الدولة، وعلى قواتها المسلحة والحرس الثوري، وعلى جزء من صادرات النفط، وعلى قدرتها الصاروخية، وعلى نفوذها الإقليمي، فإنها تستطيع القول إن الولايات المتحدة لم تتمكن من فرض إرادتها عليها. ليس مطلوبًا من إيران أن تدخل واشنطن. يكفيها أن تمنع واشنطن من إعلان النصر. وهذا يجعل الحرب أقرب إلى اختبار للصمود منه إلى معركة تقليدية بين قوتين.

طهران تملك ورقة هرمز

إذا كان الاقتصاد هو السلاح الأميركي الجديد، فإن مضيق هرمز هو السلاح الاقتصادي الإيراني الأخطر. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي. إنه أحد أهم اختناقات الطاقة في العالم، وكانت تمر عبره قبل الحرب كميات هائلة من النفط والغاز، ولذلك فإن استمرار تعطيل الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية. وفي أواخر آب (أغسطس) لم تكن حركة السفن عبر المضيق قد عادت إلى طبيعتها، فقد سجلت بيانات ملاحية عبور خمس سفن تجارية للمواد الأولية فقط في أحد أيام الأسبوع، مقابل متوسط يقارب 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وفي الوقت نفسه كانت إيران وعُمان تبحثان في ممر ملاحي مؤقت وترتيبات لإزالة الألغام، بينما تربط طهران عودة الملاحة بشروط سياسية واقتصادية. وهكذا تحول هرمز من قضية ملاحة إلى ورقة تفاوض استراتيجية.

واشنطن تريد حرية الملاحة من دون أن تمنح إيران القدرة على استخدام المضيق كورقة ابتزاز. وطهران تريد أن تقول إن عودة الملاحة الطبيعية لا يمكن فصلها عن نهاية الحرب ورفع الحصار والعقوبات. وقد أعلنت إيران شروطًا لإعادة فتح المضيق، من بينها إنهاء الحرب، ورفع ما تصفه بالحصار على موانئها، ورفع العقوبات، ودفع تعويضات. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى إعادة حركة الملاحة من دون تقديم تنازلات تعتبرها مكافأة لإيران. وهنا تظهر واحدة من أخطر مفارقات الحرب. إذا بالغت واشنطن في خنق إيران، فقد تدفعها إلى رفع كلفة هرمز. وإذا خففت الضغط كثيرًا، فقد تمنحها فرصة لإعادة بناء قدراتها. وهكذا أصبحت الولايات المتحدة عالقة بين ضغط لا يصل إلى حد الانفجار، وانفراج لا يصل إلى حد التنازل.

النفط: السلاح الذي يمكن أن يرتد على صاحبه

لم ينقطع النفط الإيراني تمامًا، لكنه انكمش بصورة كبيرة. وتشير بيانات تتبع الناقلات إلى أن صادرات إيران إلى الصين هبطت بصورة حادة، فقد قُدرت واردات آب (أغسطس) مؤقتًا بنحو 534 ألف برميل يوميًا، مقابل مستويات بلغت 1.58 مليون برميل يوميًا في وقت سابق من العام. ومع ذلك، واصلت مصافٍ صينية مستقلة شراء النفط الإيراني، غالبًا عبر ترتيبات معقدة لتغيير منشأ الشحنات وتسوية المدفوعات باليوان. لكن الصين تبقى الحلقة الأصعب في استراتيجية واشنطن. فهي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، ولديها مصالح مباشرة في استمرار جزء من التجارة مع طهران. وهنا تصل العقوبات الأميركية إلى حدودها السياسية.

يمكن لواشنطن معاقبة شركة شحن. ويمكنها معاقبة بنك. ويمكنها استهداف وسيط أو ناقلة. لكن ماذا يحدث عندما تصل العقوبات إلى شركات ومؤسسات مرتبطة بالصين؟

هنا لا تعود القضية مجرد عقوبات على إيران، وإنما تصبح جزءًا من المواجهة الاقتصادية الأميركية ـ الصينية. وقد هددت واشنطن بالفعل باستخدام العقوبات الثانوية ضد جهات خارجية تتعامل مع إيران، بينما لا تزال الصين ترفض العقوبات الأحادية وتواصل شراء جزء من النفط الإيراني. ولهذا تحاول واشنطن السير على حافة دقيقة: تضييق الخناق على إيران وشبكاتها، من دون تحويل الحرب الاقتصادية إلى مواجهة شاملة مع الصين.

العقوبات ليست أقوى من السلاح.. لكنها أطول نفسًا

ربما تكمن قوة العقوبات في شيء لا يملكه القصف: الاستمرارية. يمكن للطائرات أن تتوقف عن التحليق. لكن المصارف تستطيع مواصلة إغلاق الحسابات. ويمكن أن تنتهي الغارات. لكن العقوبات تستطيع الاستمرار سنوات. وهذا بالضبط ما تراهن عليه واشنطن. أن تجعل إيران تعيش في حالة استنزاف دائم، بحيث تصبح إعادة بناء قدراتها العسكرية والنووية أكثر صعوبة، وتمويل الدولة أكثر كلفة، واستيراد التكنولوجيا أكثر تعقيدًا. لكن هذا السلاح له ثمن أيضًا. فكلما نجحت واشنطن في تقليص صادرات إيران النفطية، ازداد خطر ارتفاع أسعار النفط. وكلما ارتفعت أسعار النفط، ارتفعت كلفة البنزين والنقل والإنتاج في الولايات المتحدة. وهنا قد تتحول الحرب الاقتصادية إلى مشكلة سياسية داخلية. فالمواطن الأميركي لا يهتم كثيرًا بعدد السفن الإيرانية التي خضعت للعقوبات إذا كان يدفع سعرًا أعلى في محطة الوقود. وقد بقيت أسعار النفط مرتفعة وحساسة لأي تطور في هرمز، بالرغم من أن استخدامها للاحتياطيات الاستراتيجية ووجود طرق بديلة محدودة للتصدير ساهما في منع ارتفاع أكبر حتى الآن. لكن المخزونات الطارئة تراجعت بصورة ملحوظة، فيما بقيت طرق نقل النفط البديلة أقل قدرة من هرمز على تعويض الانقطاع الكامل. وهذا يجعل أسعار الطاقة جزءًا من معادلة الحرب، وليس مجرد نتيجة جانبية لها.

الصين: الثغرة التي يصعب إغلاقها

تستطيع الولايات المتحدة ممارسة ضغط هائل على الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تستطيع بسهولة فرض حصار عالمي كامل. الصين لديها مصالحها. تركيا لديها مصالحها. العراق يعتمد على جزء من الطاقة والتجارة الإيرانية. ودول أخرى لا تريد أن تتحول إلى أدوات في حرب اقتصادية أميركية. أما إيران فقد أمضت سنوات في بناء شبكات بديلة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع أميركا فرض العقوبات؟ بل: هل تستطيع إجبار العالم كله على تنفيذها؟ وهذا سؤال أكثر صعوبة. فالاقتصاد العالمي اليوم أقل قابلية للعزل مما كان عليه في العقود السابقة، خصوصًا مع وجود الصين وروسيا وشبكات مالية وتجارية بديلة. ومن هنا يمكن القول إن العقوبات الأميركية تستطيع تضييق الخناق، لكنها لا تستطيع بالضرورة إغلاق كل المنافذ.

هل العقوبات ستسقط النظام؟

هنا يجب الحذر من المبالغة. التاريخ لا يقدم دليلًا قويًا على أن العقوبات وحدها قادرة على إسقاط نظام سياسي راسخ. لقد أضعفت العقوبات إيران مرارًا، وأثرت في العملة والأسعار والاستثمار والنمو، وأشعلت احتجاجات في مراحل مختلفة. لكنها لم تُسقط النظام. بل إن العقوبات في بعض الحالات أنتجت نتيجة معاكسة: دفعت السلطة إلى مزيد من القمع، وسمحت لها بتقديم نفسها باعتبارها خط الدفاع الأخير في مواجهة الخارج. وهذا الاحتمال قائم في الحرب الحالية أيضًا. فإذا ربط المواطن الإيراني بين الحصار الأميركي والدمار الذي لحق ببلاده، فقد يتجه الغضب نحو الولايات المتحدة بدلًا من السلطة. أما إذا أصبح واضحًا أن السلطة نفسها عاجزة عن تأمين الغذاء والعمل والخدمات، فقد يتحول الغضب إلى الداخل. لهذا لا توجد علاقة آلية بين العقوبات وسقوط الأنظمة. العقوبات تصنع ضغطًا. أما ما ينتجه الضغط، فيحدده ميزان القوى داخل الدولة والمجتمع.

إيران بعد خامنئي: تغيير القيادة لا يعني تغيير النظام

أضاف مقتل علي خامنئي وانتقال القيادة إلى نجله مجتبى طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد. فالقيادة الجديدة تواجه حربًا خارجية واقتصادًا مضغوطًا ومجتمعًا يعاني من تداعيات الحرب، إضافة إلى سؤال الشرعية داخل النظام نفسه. لكن انتقال السلطة لم يؤد إلى انهيار مؤسسات الدولة. بل أظهرت التطورات أن الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والسياسية استطاعت الحفاظ على تماسك النظام. وفي 30 آب (أغسطس) أصدر مجتبى خامنئي أول بيان علني كبير له منذ إصابته في الضربات التي قتلت والده قبل ستة أشهر، داعيًا دول الخليج إلى الوحدة في مواجهة ما وصفه بالعدو الحقيقي. ويشير ظهوره السياسي إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة ما زالت تسعى إلى تثبيت شرعيتها داخليًا وإقليميًا بالرغم من الضغوط التي تواجهها. لكن بقاء النظام لا يعني أنه خرج من الحرب سليمًا. فإيران أصبحت أضعف عسكريًا وأشد فقرًا، وإعادة بناء قدراتها ستحتاج إلى موارد يصعب تأمينها في ظل الحصار. وهنا بالضبط تراهن واشنطن.

هل ينجح ما فشل فيه السلاح؟

الخيار الاقتصادي يستطيع أن يحقق ما لم يحققه الخيار العسكري في بعض المجالات. يمكنه خفض إيرادات النفط. ويمكنه إبطاء إعادة بناء الترسانة. ويمكنه رفع كلفة استيراد التكنولوجيا. ويمكنه الضغط على الحكومة لتأمين العملة الصعبة. ويمكنه دفع طهران إلى التفاوض. لكن من الصعب أن يحقق وحده ما وعدت به خطابات الحسم السريع: لا انهيار النظام بالضرورة، ولا تفكيك كامل للبرنامج النووي، ولا سيطرة أميركية مطلقة على هرمز. السلاح اصطدم بجغرافيا إيران وبقدرتها على الرد غير المتماثل عبر الصواريخ والمسيّرات والزوارق والألغام، وباستحالة احتلال بلد بهذا الحجم من دون حرب برية طويلة لا تريدها واشنطن. أما العقوبات فتضرب نقطة أضعف: المال. لكن المال وحده لا يكفي لإسقاط دولة تملك مؤسسات أمنية وعسكرية قوية، وخبرة طويلة في إدارة الأزمات، وقدرة على العمل في بيئة العقوبات. ولهذا فإن النجاح الاقتصادي، إن تحقق، سيكون على الأرجح نجاحًا تدريجيًا لا ضربة قاضية.

المعركة الحقيقية: من يستطيع الصمود أكثر؟

ربما تكون هذه هي الطريقة الأدق لقراءة المرحلة المقبلة. لم تعد الولايات المتحدة تحاول هزيمة إيران في معركة واحدة. وإيران لم تعد تحاول هزيمة الولايات المتحدة في معركة واحدة. كلاهما يحاول معرفة من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار لفترة أطول. أميركا لديها اقتصاد أقوى، وعملة عالمية، وقدرة عسكرية هائلة. لكن لديها أيضًا انتخابات، وأسعار طاقة، وحلفاء يحتاجون إلى الحماية، ومخزونات عسكرية تحتاج إلى إعادة بناء، والتزامات استراتيجية في أوروبا وآسيا. إيران أفقر وأضعف عسكريًا. لكنها تملك جغرافيا صعبة، وخبرة طويلة في العقوبات، وقدرة صاروخية، وشبكات إقليمية، وموقعًا جغرافيًا يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله في سوق الطاقة. لذلك قد تصبح الحرب مسابقة صبر أكثر من كونها مسابقة قوة.

أربعة سيناريوهات للنهاية

المشهد الراهن يفتح الباب أمام أربعة مسارات رئيسية.

الأول: جمود خشن. حصار وعقوبات مشددة، مقابل قيود إيرانية على الملاحة، واشتباكات محدودة كلما اقترب أحد الطرفين من خطوطه الحمراء. وهذا هو السيناريو الذي قد يستمر إذا عجز الطرفان عن تقديم تنازلات كبيرة.

الثاني: صفقة منقوصة.

إعادة فتح هرمز تدريجيًا مقابل تخفيف بعض العقوبات، وإطلاق جزء من الأموال المجمدة، والسماح بكمية محددة من صادرات النفط، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا، خصوصًا النووي، إلى مفاوضات لاحقة. وهذا السيناريو قد يكون الأكثر واقعية إذا اكتشف الطرفان أن استمرار الحرب أغلى من التنازل المحدود.

الثالث: عودة الحرب الواسعة.

إذا رأت طهران أن الخنق الاقتصادي بلغ مرحلة تهدد تماسك الدولة، فقد ترفع كلفة المواجهة عبر هرمز أو القواعد الأميركية أو منشآت الطاقة في المنطقة. وبالمقابل، إذا رأت واشنطن أن العقوبات لا تحقق أهدافها، فقد تعود إلى الخيار العسكري. وهنا تصبح العقوبات نفسها مقدمة لحرب جديدة بدلًا من أن تكون بديلًا عنها.

الرابع: اضطراب داخلي واسع.

وهو السيناريو الأكثر دراماتيكية والأصعب توقعًا. قد يؤدي الانهيار الاقتصادي إلى احتجاجات واسعة تعيد تشكيل السلطة من الداخل. لكن حتى هذا السيناريو لا يعني بالضرورة سقوط الجمهورية الإسلامية. قد تكون النتيجة إعادة توزيع للقوة بين الحكومة والحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والتيارات السياسية، أي إعادة تشكيل للنظام بدلًا من انهياره.

خاتمة: لا نصر أميركي ولا هزيمة إيرانية

لم تتحول أميركا إلى الحصار لأنها وجدته خيارًا سحريًا، بل لأن الخيار العسكري وصل إلى حدود يصبح معها الاستمرار أكثر كلفة من البحث عن وسيلة أخرى. لكن القول إن أميركا "خسرت الحرب" يحتاج إلى شيء من الدقة. فواشنطن لم تُهزم عسكريًا. لقد أثبتت قدرتها على الوصول إلى أهداف عميقة داخل إيران، وألحقت أضرارًا كبيرة بالقدرات العسكرية والنووية، وقتلت القيادة العليا. لكنها لم تتمكن، حتى الآن، من تحويل تفوقها العسكري إلى استسلام سياسي. وهنا تكمن المفارقة. الولايات المتحدة لم تُهزم عسكريًا، لكنها لم تربح الحرب استراتيجيًا. وإيران لم تنتصر عسكريًا، لكنها نجحت حتى الآن في منع خصمها من تحويل تفوقه العسكري إلى إرادة سياسية مفروضة عليها. ولهذا انتقلت الحرب من سؤال: من يستطيع أن يقصف أكثر؟ إلى سؤال أخطر: من يستطيع أن يتحمل الألم أطول؟ القنبلة قادرة على تدمير منشأة، لكنها غير قادرة على شراء سيادة المضيق. والعقوبة المالية قادرة على تجفيف الإيرادات، لكنها غير قادرة وحدها على شراء استسلام نظام عاش أربعة عقود على فكرة المقاومة. أما الحصار الاقتصادي، فهو في جوهره اعتراف بحدود القوة العسكرية أكثر مما هو إعلان انتصار عليها. وقد تنتهي الحرب من دون أن يرفع أي طرف راية الاستسلام. ستقول واشنطن إنها دمرت القدرات التي هددت أمنها، وستقول طهران إنها منعت خصمها من فرض إرادته عليها. لكن الحقيقة ستكون أكثر تعقيدًا: أميركا لم تستطع تحويل تفوقها العسكري إلى نصر سياسي، وإيران لم تستطع تحويل قدرتها على الصمود إلى انتصار. ولذلك قد يكون الاتفاق الذي سيأتي في نهاية المطاف أقل شبهًا بمعاهدة سلام، وأكثر شبهًا باعتراف متبادل بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من كلفة التنازل. ففي هذه الحرب، قد لا يكون المنتصر هو من هزم خصمه، بل من أجبر خصمه على التفاوض قبل أن ينهار هو نفسه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.