: آخر تحديث

سدر: هجومٌ وقع بين نصّين

0
0
0

في ليلة الحادي والثلاثين من أغسطس أُصيبت الناقلة «سدر»، المملوكة لشركة البحري، وهي تعبر مضيق هرمز، وقُتل بحّاران فلبينيان من طاقمها. وصفت الشركةُ ما جرى «حادثاً أمنياً»، وقال الحرسُ الثوري إنّ ناقلتين اصطدمتا بألغام. وفي الثاني من سبتمبر أصدرت وزارةُ الخارجية بياناً يُدين «قيام إيران باستهداف الناقلة»، ويُدين اعتداءاتٍ على الأردن والبحرين والكويت، ويدعو إلى وقف التصعيد واحترام أمن الملاحة وميثاق الأمم المتحدة، والعودة إلى المفاوضات.

هذا التحليل لا يسأل ما إذا كان البيان صائباً — فهو في موضعه ولغته. يسأل سؤالاً أضيق وأثقل: أيُّ نصٍّ كان يحكم هذه الواقعة؟ فللمملكة في هذا الصيف نصّان دفاعيان جديدان: اتفاقيةُ مكة للدفاع المشترك في السابع من أغسطس، والتحالفُ البحري الدفاعي متعدد الجنسيات في الثلاثين من يوليو. والجواب الذي تقوله الوثيقتان بحرفهما: لا هذا ولا ذاك.

نصّان، وفراغٌ بينهما

اتفاقيةُ مكة تعرّف موضوعها بالإقليم: اعتداءٌ مسلح على أراضي طرفٍ من الأطراف. والناقلةُ ليست إقليماً. وميثاقُ التحالف البحري يعرّف موضوعه بالجغرافيا: باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن — ومضيقُ هرمز ليس فيها. ويقول الميثاق أيضاً إنّ التحالف «دفاعيٌّ خالص» وإنّ المشاركة في عملياته «قرارٌ سيادي لكل دولة وفق إجراءاتها الوطنية». فسفينةٌ سعودية بطاقمٍ أُصيب في هرمز تقع خارج النطاق المكاني للتحالف وخارج النطاق الموضوعي للاتفاقية.

وليس هذا عيباً في النصّين؛ كلٌّ منهما كُتب لموضوعه. لكنّه يكشف ما تكشفه الوقائع حين تقع على غير الصورة التي كُتبت لها النصوص: أنّ حدود النصّ تُقرأ عند أول حادثةٍ تقع خارجها. ولهذا كان الردّ بياناً يستند إلى القانون الدولي والميثاق — وهو الأداةُ التي تعمل حين لا تعمل الأدوات الأخصّ.

ما الذي يُقاس

ثلاثةُ أشياء تُقاس من السجلّ العام، وشيءٌ رابع لا يُقاس ويُعلَن.

الزمن. من الهجوم ليلة الإثنين إلى بيان الأربعاء نحو أربعين ساعة. وهذا رقمٌ لا حكم، إذ لا عتبةَ معلَنة تقول كم يُحتمل. وفي حقولٍ أخرى العتبةُ مكتوبة: أربعٌ وعشرون ساعة لإخطار منظمة الصحة العالمية بحدثٍ صحي، واثنتان وسبعون لإخطار خرق البيانات. أمّا في الاعتداء على سفينةٍ فلا عتبةَ في أيٍّ من النصّين. فالأربعون ساعة تُسجَّل ولا تُحكم.

النسب. الواقعةُ الواحدة وصلت الجمهورَ بثلاثة ترتيبات: «حادثٌ أمني» عند الشركة، و«استهدافٌ إيراني» عند الوزارة، و«ألغام» عند الحرس الثوري. وهذا ليس تناقضاً بل نسبٌ مختلف: الشركةُ تتكلّم بلغة التأمين، والوزارةُ بلغة المسؤولية، والخصمُ بلغة النفي. ومن قرأ الثلاثة عرف من رتّب كلَّ رواية ولماذا؛ ومن قرأ واحدةً ظنّها الواقعة.

النطاق. نصُّ التحالف يعلن مساحاته الثلاث ويعلن أنّ نصابه اختياري. وهذا إعلانٌ صادق — لكنّه يعني أنّ الأداة لا تعمل تلقائياً حتى داخل نطاقها، فكيف خارجه؟

والذي لا يُقاس: هل كان في نيّة أحدٍ أن يستدعي أيّاً من النصّين؟ لا يُعرف ولا يُقدَّر. وما يُعلَن بدلاً من تقديره أنّ الاستدعاء بالاسم لم يقع — وهذا ما يُسجَّل.

النطاقُ نفسُه عتبة

في مقالةٍ سابقة قلنا إنّ الترتيب الدفاعي الذي لا يُعلن عتبته وجهته ونصابه يتأخّر استدعاؤه ولا يمتنع. وواقعةُ «سدر» تُضيف طبقةً لم تكن هناك: أنّ النطاق نفسه عتبة. فالنصُّ الذي يُحدّد موضوعه بالإقليم يترك السفينة، والذي يُحدّده بثلاثة بحار يترك الرابع. وكلُّ حدٍّ يُكتب في النصّ هو تعريفٌ ضمنيّ لما لا يُحمى. وما لم يُعلنه النصّان أعلنته السوق في ساعات: أقساطُ التأمين تتحرّك مع كل حادثة، وشحناتُ الغاز القطرية والإماراتية تُنقَل من سفينةٍ إلى سفينة خارج المضيق. فالسوق تعمل بعتبةٍ غير مكتوبة، والدولةُ تعمل بنصٍّ مكتوبٍ بلا عتبة.

بندٌ للسفن — كيف يكون

ليست الدعوةُ إلى نصٍّ يحمي كلَّ شيء؛ فذلك نصٌّ لا يعمل. الدعوةُ إلى بندٍ في صفحة، يُلحق بميثاق التحالف بروتوكولاً، ويقوم على ثلاثة أعمدة وسلّمٍ زمني. وله سابقةٌ لا تُنازَع: المادةُ السادسة من معاهدة الناتو تُعرّف الهجومَ المسلح بأنّه يشمل «سفنَ أيّ طرفٍ أو طائراته» في نطاقٍ محدَّد — فالسفينةُ داخل الحماية منذ ١٩٤٩.

المعيار: يُعدّ اعتداءً كلُّ فعلٍ عدائي يُلحق ضرراً أو إصابةً بسفينةٍ ترفع علمَ طرف، أو تملكها جهةٌ من رعاياه، أو على متنها طاقمٌ في خدمته — ويُحصى الفعل لا يُوصف: لغمٌ، أو صاروخٌ ومسيَّرة، أو احتجاز، أو فرضُ رسمٍ للعبور. ونطاقُه المياهُ التي تعبرها سفن الأطراف بحكم المرور العابر، فيدخل هرمز بحكم الوصف لا بحكم التسمية.

الفاصل: جهةٌ مسمّاة — مركزُ العمليات البحرية القائم في الرياض — تُثبت الواقعةَ خلال أربعٍ وعشرين ساعة على أساسٍ معلَن: إشارةُ التتبّع، وإخطارُ المؤمِّن، وتقريرُ دولة العلم، وأيُّ تصويرٍ مستقل. وأمّا تسميةُ الفاعل فقرارٌ سياسي بلا مهلة. فيُسحب حقُّ الصمت عن الواقعة، ويبقى حقُّ الصمت عن الفاعل.

الإنفاذ: في ٢٤ ساعة إثباتُ الواقعة وإخطارُ مجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية. في ٧٢ ساعة اجتماعُ الأطراف واختيارُ الاستجابة من قائمةٍ معلَنة أدناها المطالبةُ القانونية وتعويضُ الطاقم، وأعلاها المرافقةُ البحرية ومكافحةُ الألغام. وفي سبعة أيام تنفيذُ ما قُرّر ونشرُه. والنصابُ بحسب الفعل: الإثباتُ تلقائي، والمطالبةُ بطرفٍ واحد، والعمليةُ البحرية بثلاثة — فتبقى المشاركةُ سيادية كما أراد الميثاق، ويُمنع أن يُعطّل نصابٌ واحد كلَّ شيء.

والمقياس: سجلٌّ يُنشر سنوياً بساعات الفصل بين الفعل والإثبات والقرار — فيُعرف الاتجاه، ويقيس المملكةَ كما يقيس خصمَها.

وما كلفةُ البند

تحليلٌ يقترح أداةً ولا يُسعّرها نصفُ تحليل. وللبند خمسُ كلف:

خسارةُ حقّ الصمت. الغموضُ الذي سمّيناه ثغرةً في العتبة هو أيضاً أولُ أدوات التفاوض؛ وبندٌ بمهلةٍ يسحب خيارَ التوقيت. والتصميم يُخفّف ذلك بفصل الواقعة عن الفاعل — فيبقى الصمت عن الاسم ممكناً، ويسقط الصمت عن الحدث.

زرُّ التشغيل في يد الخصم. لغمٌ واحد يُجبر الآلية على أن تدور — والألغام أصعبُ الأفعال إسناداً. والتصميم يُخفّف ذلك بأن يكون ما يترتّب في ٧٢ ساعة اجتماعاً واختياراً، لا فعلاً مفروضاً.

تماسكُ التحالف. أربعَ عشرةَ دولة، والإماراتُ وعُمان خارجه، ولكلٍّ حسابُه مع طهران. والميثاق كُتب فضفاضاً عمداً ليتّسع. والتصميم يُخفّف ذلك بإبقاء المشاركة سيادية، وبنصابٍ يتبع الفعل.

السجلُّ يقيس صاحبه. مؤشرٌ يُظهر البطء حين يقع ويقرؤه الإعلام. والتصميم يُخفّف ذلك بالنشر السنوي لا اللحظي — لكنّ من كتب مؤشراً على نفسه قبِل أن يُحاسَب به.

القراءةُ في طهران. اتفاقُ ٢٠٢٣ ما زال إطاراً معلَناً، وبندٌ بحري سيُقرأ آليةً موجَّهةً مهما قال النصّ «دفاعي». وهذا لا يُخفّفه تصميم؛ يُخفّفه أنّ المادة الخامسة في الناتو استُدعيت مرةً في خمسةٍ وسبعين عاماً، والردعُ جاء من وجودها لا من استعمالها.

الثمنُ الذي لا يُخفَّف

تبقى كلفةٌ واحدة لا يُزيلها تصميم: أنّ الكتابة اختيارٌ لموقع. من كتب البند اختار الردعَ على الغموض ولو بأخفّ صوره، ومن لم يكتبه اختار الغموضَ على الردع. وهذا قرارٌ سياسي لا تحليلي؛ والذي يُقال فيه من موضع التحليل شيءٌ واحد: الطرف الذي يختار الغموض يدفع ثمنَه في سوق التأمين وفي الطاقم القادم، والذي يختار الردع يدفع ثمنَه في المفاوضات. ولا ثالثَ مجانيّ.

والبيانُ الأخير دعا إلى المفاوضات. فالذي يجب أن يُعلَن أولاً ليس البند، بل أيُّ الثمنين اختارت المملكة. وحين يُعلَن، يُكتب النصّ الذي يناسبه — وقد كتبت المملكةُ نصفَه فعلاً: الفقرةُ السعودية الفرنسية في ٢٤ أغسطس أحصت الإخلال بالملاحة في ثلاث صور بالسلب. فالمعيار مكتوب. والذي ينقص من يُثبت، وماذا يترتّب.

في سطر

سفينةٌ سعودية أُصيبت في المكان الوحيد الذي لا يغطّيه نصٌّ سعودي. والردُّ كان صحيحاً في لغته وغائباً في أداته — لأنّ الأداة لم تُكتب بعد، ولأنّ كتابتها تسبقها كلمةٌ عن الثمن المختار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.