ليس جديدًا أن يتحوّل طريق دمشق – دير الزور إلى مقبرة مفتوحة، ولا جديدًا أن تُختصر أرواح الضحايا في أرقام باردة تُضاف إلى نشرات الحوادث، قبل أن تُطوى الصفحة ويعود المسؤولون إلى مكاتبهم الوثيرة، كأن الذين ماتوا لم يكونوا بشرًا لهم أسماء وبيوت وأطفال ينتظرون عودتهم.
الجديد الوحيد، ربّما، هو عدد بيانات التعزية التي تتغير صياغتها قليلًا، بينما يبقى الطريق على حاله: حفرٌ وتشققات، منعطفات خطرة، غياب للإنارة، رقابة شبه معدومة، ومسار واحد تتقابل فيه الشاحنات والحافلات والسيارات وجهًا لوجه، وكأن المسافرين يخوضون امتحانًا يوميًا في النجاة لا رحلة بين مدينتين سوريتين.
طريق دمشق – دير الزور ليس مجرد شريط إسفلتي مهترئ، بل وثيقة اتهام طويلة بحق الحكومات السورية المتعاقبة، السابقة منها والحالية. حكومات تغيّرت أسماؤها وشعاراتها ووجوه وزرائها، لكنها اتفقت، في انسجام نادر، على تجاهل هذا الطريق، وعلى إبقاء أبناء دير الزور والشرق السوري أسرى الخوف كلما اضطروا إلى السفر نحو العاصمة.
كانت الحكومات السابقة تتعامل مع المنطقة الشرقية كما لو أنها هامش بعيد لا يظهر على الخريطة إلا حين تحتاج الدولة إلى نفطها وقمحها وثرواتها وأبنائها. أما حين يتعلق الأمر بحقوق أهلها في الطرق والمستشفيات والخدمات والأمان، فإن الخرائط الحكومية تصبح فجأة غير واضحة، والميزانيات تعاني ضعف النظر، والمشروعات تدخل في سبات إداري عميق.
وجاءت الحكومة الحالية محمّلة بالوعود والكلمات الكبيرة، فتفاءل الناس بأن زمن الإهمال قد انتهى. غير أن الطريق ما زال كما هو، والحوادث ما زالت تتكرر، والضحايا ما زالوا يدفعون ثمن المسافة بين الأقوال والأفعال. ويبدو أن تغيير الحكومات عندنا أسرع من تغيير طبقة إسفلت، وأن إصدار التصريحات أيسر بكثير من تنفيذ مشروع يحفظ أرواح الناس.
المثير للسخرية المريرة أن الحكومة، أي حكومة، لا تعجز عادة عن إيجاد المال حين يتعلق الأمر بتأثيث المكاتب، أو شراء السيارات، أو تجميل المداخل والدوارات القريبة من مقار المسؤولين. هناك تصبح الميزانيات مرنة، والإجراءات سريعة، والمناقصات جاهزة، والإنجازات تظهر بين ليلة وضحاها. أما حين يتعلق الأمر بطريق دولي يربط دمشق بدير الزور ويخدم الرّقة والحسكة والبادية ومناطق واسعة من البلاد، تبدأ فجأة أسطوانة الأولويات والإمكانات المحدودة والدراسات التي لا تنتهي.
كأن حياة الناس تحتاج إلى لجنة، واللجنة تحتاج إلى لجنة أخرى، وكل لجنة تحتاج إلى سنوات من الاجتماعات، بينما لا يحتاج الموت إلى أكثر من ثانية واحدة على منعطف مظلم أو حفرة عميقة أو أثناء تجاوز خاطئ على طريق ضيّق.
نعم، بعض السائقين يتحمّلون جزءًا من المسؤولية. هناك من يقود بسرعة جنونية، ومن يستخدم هاتفه، ومن يتجاوز المركبات في أماكن خطرة، ومن يقود مركبة غير صالحة للسير. لكن من يراقب هؤلاء؟ وأين دوريات المرور؟ وأين كاميرات ضبط السرعة؟ وأين مراكز فحص المركبات؟ وأين الإشارات التحذيرية والإنارة والاستراحات الآمنة والحواجز التي تخفف من خطورة الاصطدام؟
من السهل جدًا أن تُلقى المسؤولية كلها على السائق، لأنه غالبًا إما ميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه، أو مصاب منشغل بآلامه. أما الجهات التي أهملت الطريق سنوات طويلة، فيُطلب منا أن نتعامل معها بوصفها متفرجًا بريئًا وصل متأخرًا إلى مكان الحادث.
الحادث الأليم راح ضحيته 35 شخصًا، وأُصيب 30 آخرون في حصيلة أولية، ليس رقمًا جديدًا في سجل طويل فحسب، بل جرح إنساني لا يجوز أن يُغلق ببيان تعزية أو زيارة بروتوكولية إلى المستشفى. وراء كل ضحية أسرة مكلومة، وأطفال فقدوا أباهم أو أمهم، وأمهات انتظرن أبناءً لم يصلوا، وبيوت ستبقى ناقصة إلى الأبد.
رحم الله الضحايا، ومنح ذويهم الصبر، وكتب الشفاء للمصابين. لكن الرحمة بالضحايا لا تكون بالكلمات وحدها، بل بمنع سقوط ضحايا جدد. والتعاطف الحقيقي لا يقاس بعدد عبارات الأسف، بل بسرعة اتخاذ القرار وتنفيذه.
إن المطلوب من الحكومة الحالية ليس ترقيع بعض الحفر، ولا إرسال آليات تضع طبقة إسفلت مؤقتة تزول مع أول شتاء أو صيف، ولا تشكيل لجنة جديدة تلتقط الصور ثم تختفي. المطلوب قرار سيادي واضح ومباشر بتحويل طريق دمشق – دير الزور إلى طريق مزدوج باتجاهين منفصلين، وفق أعلى معايير السلامة والجودة.
يجب أن يُعهد المشروع إلى شركات عالمية ذات خبرة حقيقية في تنفيذ الطرق الدولية، لا إلى متعهدين يتعلمون المهنة على حساب أرواح الناس، ولا إلى شركات تفوز بالمناقصات لأنها تعرف الأبواب الصحيحة أكثر مما تعرف أصول الهندسة. وينبغي أن يخضع التنفيذ لإشراف فني مستقل وشفاف، مع إعلان التكلفة والمدة الزمنية ومراحل الإنجاز للرأي العام، ومحاسبة أي جهة تتلاعب بالمواصفات أو تتأخر من دون مبرر.
فالطريق المطلوب ليس مجرد مسارين من الإسفلت، بل مشروع متكامل يشمل الإنارة، والإشارات الواضحة، وكاميرات مراقبة السرعة، ومراكز الإسعاف والإنقاذ، ونقاط الاستراحة، والحواجز الواقية، وصيانة دورية لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تبدأ.
وإلى أن يكتمل المشروع، لا بد من إجراءات عاجلة تبدأ فورًا: صيانة المناطق الخطرة، وإنارة التقاطعات والمنعطفات، وتشديد الرقابة على السرعات، ومنع المركبات غير الصالحة من السير، وزيادة دوريات المرور والإسعاف على امتداد الطريق.
لقد أصبح اسم "طريق الموت" ملازمًا لطريق دمشق – دير الزور، ولم يأتِ هذا الاسم من فراغ أو مبالغة إعلامية، بل من دماء أناس فقدوا حياتهم فوقه. ومن العار أن يبقى هذا الاسم متداولًا في بلد يعلن أنه يريد إعادة بناء الدولة، لأن أول علامات بناء الدولة أن يتمكن مواطن من السفر بين مدينتين من دون أن يودّع أسرته كما لو كان ذاهبًا إلى المجهول.
أبناء دير الزور ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، والمنطقة الشرقية ليست مستودعًا للثروات البشرية والطبيعية يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند توزيع الخدمات. من حق أهلها أن يسافروا إلى دمشق بكرامة وراحة وأمان، لا أن يحملوا الخوف معهم منذ لحظة الانطلاق حتى لحظة الوصول.
اليوم، لم يعد مقبولًا أن تكتفي الحكومة الحالية بإرث الأعذار الذي تركته الحكومات السابقة. فإن كانت مختلفة حقًا، فعليها أن تثبت اختلافها على الأرض، لا في الخطب والبيانات. وليكن طريق دمشق – دير الزور امتحانًا حقيقيًا لجدية الدولة في حماية مواطنيها وإنصاف شرق البلاد.
فإما أن يتحول هذا الطريق إلى مشروع وطني عاجل يليق بأهميته، وإما أن تبقى الحكومات تتبادل المقاعد، ويتبادل المسؤولون التصريحات، بينما يبقى الموت وحده صاحب القرار الفعلي على الطريق.


