: آخر تحديث

القدس وصناعة السيادة

0
0
0

عادةً ما يُعرض ما يجري في القدس الشرقية باعتباره سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية المنفصلة: قيود على المدارس الفلسطينية، وضغوط على الأونروا، وهدم للمنازل، وتوسع استيطاني، واقتحامات للمسجد الأقصى، ورفض تصاريح تخص المؤسسات المسيحية، واعتقالات، وتهجيرًا بطيئًا للعائلات. ويمكن، إذا نُظر إلى كل إجراء على حدة، إدراجه تحت بند قرار تخطيطي، أو تدبير أمني، أو نزاع إداري. لكن عند قراءتها مجتمعة، فإنها تصف مشروعًا واحدًا: تحويل السيطرة إلى سيادة.

وهنا تكمن أهمية التمييز. فالدولة لا تكتسب السيادة لمجرد امتلاكها عددًا كافيًا من الجنود والشرطة والجرافات وموظفي البلدية القادرين على فرض إرادتها. غير أن الإدارة إذا استمرت عقودًا، فإنها تستطيع أن تخلق مظهرًا للسيادة، ولا سيما حين تُستنزف مؤسسات السكان الواقعين تحت الاحتلال، ثم تُفكك ويُستعاض عنها بمؤسسات القوة المحتلة. ويعرض التقرير اليومي الأخير للجنة الملكية لشؤون القدس في الأردن هذه العملية بتفصيل لافت.

لنبدأ بالتعليم. يصف التقرير مسعى متواصلًا لفرض المنهاج الإسرائيلي على الطلبة الفلسطينيين في القدس الشرقية، بما يمس نحو 45 ألف طالب. والمسألة المطروحة هنا هي ما إذا كان الأطفال الفلسطينيون سيتعلمون تاريخهم أصلًا. وهذه السلطة على المعرفة تُنتزع في الوقت نفسه الذي تتعرض فيه المؤسسات التي تنقل تلك المعرفة للضغط.

وتعيش المدارس المسيحية في المدينة حالة اضطراب بعدما امتنعت السلطات الإسرائيلية عن إصدار أو تجديد التصاريح التي تتيح للمعلمين والموظفين القادمين من الضفة الغربية الوصول إلى مدارسهم. وتحذر الجهات الكنسية من أن الإضراب الناتج عن ذلك يهدد العام الدراسي 2026–2027. وإلى جانب ذلك، تهدد تشريعات تقيد توظيف خريجي الجامعات الفلسطينية شريحة واسعة من الكادر التعليمي العربي في القدس الشرقية. وتحت كل هذه التصاريح وكشوف الرواتب سؤال واحد: من يملك سلطة تقرير ما يُسمح للأطفال الفلسطينيين أن يعرفوه عن أنفسهم؟

وقد اكتسب هذا السؤال أخيرًا حدة أكبر. فقد قال السير جيريمي غرينستوك، السفير البريطاني السابق لدى الأمم المتحدة، في بودكاست ديفيد هيرست، إن توني بلير، الذي كان يعمل لصالح "مجلس السلام" التابع لدونالد ترامب، أُرسل إلى رام الله للضغط على الرئيس محمود عباس من أجل حذف كلمة "فلسطين" من الكتب المدرسية الفلسطينية. وبحسب عدة روايات عن المقابلة، كان البديل المقترح هو "السامرة"، التسمية التوراتية. وقال غرينستوك إن عباس رفض. وقد نفى متحدث باسم بلير الرواية نفيًا قاطعًا، واصفًا إياها بأنها غير صحيحة و"اختلاق كامل". لكن إذا كان غرينستوك محقًا، فإن ذلك يكشف بوضوح ما لا توحي به إلا ضمنًا عمليات الهدم ورفض التصاريح.

إن مطلبًا كهذا لا علاقة له بإصلاح المناهج، ولا بإزالة التحريض، ولا بتعليم التعايش. إنه يطلب من الفلسطينيين التخلي عن الكلمة التي يسمون بها وطنهم. و"السامرة" ليست بديلًا جغرافيًا محايدًا. فعبارة "يهودا والسامرة" هي المصطلح الذي تستخدمه الدولة الإسرائيلية واليمين الإسرائيلي للإشارة إلى الضفة الغربية المحتلة. ومطالبة الفلسطينيين باعتماده تعني مطالبة الخاضعين للاحتلال بأن يدرّسوا أبناءهم خريطة المحتل.

وعدم التماثل هنا كامل. فلا يوجد شرط موازٍ يطالب المدارس الإسرائيلية بالتخلي عن عبارة "يهودا والسامرة" لصالح أسماء فلسطينية للأماكن، أو بتدريس الارتباط الفلسطيني بالأرض ثمنًا للاعتراف بإسرائيل طرفًا تفاوضيًا جديًا. التنازل يسير في اتجاه واحد، ويُطلب من الطرف الأضعف.

ولهذا تكتسب المفردات كل هذه الأهمية. يمكن الاستيلاء على الأرض بالقوة، لكن السيادة تُصنع أيضًا عبر اللغة. فالخرائط، وأسماء الأماكن، والمناهج، والمواقع الأثرية، وتصنيفات التخطيط، كلها تثبّت معنى سياسيًا. وحين تتغير الكلمات التي يصف بها شعبٌ الأرض التي تحت قدميه، تبدأ حدود ما يمكنه أن يتخيّل المطالبة به بالتضيّق. ولذلك فإن الصراع على المنهاج جزء من الصراع على الأرض، لا قضية هامشية منفصلة عنه.

وتُعامل الأونروا بالمنطق نفسه تقريبًا. فمركز قلنديا للتدريب، الذي يزيد عمره على سبعين عامًا، يُعد أحد آخر مواطئ القدم الرئيسية للوكالة في القدس الشرقية. دخلته القوات الإسرائيلية، وأخرجت الموظفين، وسيطرت عليه. وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن القضية قد تنتهي أمام محكمة العدل الدولية. وتتمسك الأمم المتحدة بأن منشآتها تتمتع بالحصانة القانونية، وأن إسرائيل لا تملك سلطة الاستيلاء عليها.

وتُظهر مدرسة سابقة للأونروا في شعفاط إلى أين يقود هذا المسار. فهي تعمل الآن تحت إشراف سلطات التعليم الإسرائيلية وبلدية القدس، وقد أُزيلت لافتات الأونروا. وينقل التقرير عن مسؤول بلدي إسرائيلي وصفه للهدف بوضوح، باعتباره محوًا لوجود الأونروا وذاكرتها من المدينة. والاستبدال هنا يكاد يكون حرفيًا: تُزال مؤسسة، وتحل أخرى مكانها، ثم يُقدَّم البديل مع مرور الوقت وكأنه الوضع الذي كان قائمًا دائمًا.

والمنطق نفسه يعمل على المدينة المادية. ففي آب (أغسطس)، سجلت محافظة القدس 40 عملية هدم وتجريف، و114 حالة اعتقال، و83 إصابة. وخلال الشهر نفسه، تقدمت عطاءات وموافقات تخطيطية لآلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة.

وكل رقم من هذه الأرقام يعني غرفًا وحياةً وعائلات. ففي سلوان، هُدمت البناية المكونة من ثلاثة طوابق لعائلة بدران. وكانت تضم أربعة منازل: أرملة وابنها من ذوي الإعاقة في أحدها، وعائلة لديها خمسة أطفال في منزل آخر، ومنزلًا ثالثًا كان شاب يجهزه قبل زفافه. إن قرار الهدم يحدد من يحق له البقاء في المدينة، وأين يمكنه أن يعيش، وما إذا كان الجيل التالي سيتمكن أصلًا من بناء منزل فيها. إنها إدارة تؤدي وظيفة التهجير.

كما يُعاد تشكيل العبادة. فقد وثقت وزارة الأوقاف الفلسطينية 26 اقتحامًا منظمًا للمسجد الأقصى خلال آب (أغسطس)، مع دخول 5,209 مستوطنين إلى باحاته، وتحول الصلاة اليهودية داخله بصورة متزايدة إلى أمر اعتيادي. وفي الحرم الإبراهيمي بالخليل، مُنع رفع الأذان 155 مرة خلال الشهر نفسه.

ونادرًا ما يُقلب الوضع القائم بضربة واحدة. بل يُستنزف تدريجيًا، عبر تصريح يُرفض، وإغلاق يُفرض، وسابقة يُسمح لها أن تستقر. ولهذا قد تكون القوة الإدارية، في نهاية المطاف، أكثر أثرًا من أي إعلان رسمي. لقد أعلنت إسرائيل منذ عقود أن القدس الشرقية جزء من عاصمتها، ولم يعترف بذلك سوى عدد ضئيل للغاية من الدول. ولذلك انتقل الصراع الحقيقي إلى ما دون مستوى الإعلانات، إلى المدارس، والتصاريح، وسجلات الملكية، وملفات التخطيط، والشرطة، والوصول إلى الأماكن الدينية.

هذه أدوات تبدو بيروقراطية ومملة، وهنا بيت القصيد. فالسيادة تُحس عبر الإدارة قبل أن تُعلن رسميًا. طفل يُسلَّم منهاجًا لا يطبع كلمة "فلسطين" يكون قد واجه السيادة. ومعلمة تُعاد من الطريق إلى صفها تكون قد واجهتها. وعائلة تُخرج من بيتها قبل وصول الجرافة تكون قد واجهتها. ومصلٍّ يُمنع عند باب المسجد يكون قد واجهها.

والخطر هو أن تتحول الإدارة، إذا تكررت مرارًا وطال أمدها، إلى ما يشبه السلطة القانونية في الوعي العام. لكنها ليست كذلك. فقد يدير المحتل الأرض، لكن إدارته لها لا تُسقط حقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال، ولا تحول الاحتلال إلى سيادة مشروعة. ومع ذلك، فإن الإدارة إذا مُنحت ما يكفي من الوقت، تستطيع أن تصنع واقعًا سياسيًا تلحق به الاعترافات لاحقًا.

المؤسسة التي تُزال اليوم تصبح فراغًا تاريخيًا غدًا. والبيت الذي يُهدم يختفي من المشهد، بينما تترسخ المستوطنة المجاورة له بوصفها "حقيقة". والمنهاج الذي أُعيدت كتابته يعلّم الجيل التالي جغرافيا مختلفة. والاسم الذي حُذف من الكتاب المدرسي يصير، عامًا بعد عام، أعصى على الأجيال الجديدة أن تتخيله فلسطينيًا في الأساس.

وهذا ما يجعل رواية بلير، بالرغم من أنها موضع نزاع، كاشفة إلى هذا الحد. الجرافة تزيل بيتًا. ومكتب التخطيط يحول أرضًا فلسطينية إلى مستوطنة. وأمر إداري يزيل الأونروا من مدرسة. ومنهاج دراسي يزيل فلسطين من الصفحة. إنها أدوات مختلفة للمشروع نفسه.

ولا يزال العالم يصف القدس الشرقية بأنها أرض محتلة. لكن هذا الوصف يفقد الكثير من قوته حين تُترك آليات الاحتلال لتتصلب وتتحول إلى واقع دائم. فالصراع على المدينة ليس صراعًا على الأرض وحدها. بل هو صراع على من يملك حق تعريف ماهية القدس: من ينتمي إليها، وأي المؤسسات تبقى، وماذا يتعلم الأطفال، وبأي أسماء تُسمى الأرض، وأي الذكريات تظل مرئية.

ولم يعد السؤال ما إذا كانت السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية قد حظيت بالاعتراف. فهي لم تحظَ به. السؤال هو ما إذا كان يُسمح للإدارة بأن تصنع هذه السيادة على الأرض: مدرسةً بعد مدرسة، وبيتًا بعد بيت، ومؤسسةً بعد مؤسسة، ومسجدًا بعد مسجد، وصولًا، في النهاية، إلى كلمةٍ بعد كلمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.