لماذا يُعدّ بقاء صحف فلسطين وصورها وأوراق عائلاتها ومجلّاتها وسجلّات مؤسّساتها مسألةً تتّصل باستمرار الأمّة، لا ترفاً في حفظ التراث؟ الجواب هو لأن محو شعبٍ يتطلّب أكثر من الاستيلاء على أرضه. يمكن أن تُدمَّر القرى، وأن يُطرَد الأهالي، وأن تُغيَّر أسماء الشوارع، وأن تُفكَّك المؤسّسات، ويظلّ المجتمع قد خلّف وراءه أثراً ورقيّاً يثبت أنّه كان هناك. ما يقترب من إتمام المهمّة هو زوال ذلك الأثر، وهو نادراً ما يحدث بضربةٍ واحدة. فالأوراق العائليّة، والصور، وملفّات البلديّات، والصحف، والمكتبات الخاصّة، تتسرّب إلى مجموعاتٍ في الخارج، وإلى مكاتب مهجورة، وأقراصٍ صلبةٍ بالية، وإلى سجلّات مَن يتولّى حكم المكان. هذا الضرب من الخسارة لا يصنع عناوين الأخبار، وهذا بعض ما يجعله بالغ الأذى.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، يحمل الأرشيف عبئاً أثقل من الحنين. فهو الدليل على أنّ مجتمعاً كان قائماً: أنّ الناس امتلكوا عقارات، وزرعوا أرضاً، وأداروا أعمالاً، وارتادوا المدارس، وأصدروا صحفاً، وأسّسوا جمعيّات، وانتخبوا لجاناً، وتجادلوا في السياسة، وأنتجوا فنّاً، ورسموا لأنفسهم مستقبلاً. ملفّات الآخرين تُثبت أنّ الفلسطينيّين خضعوا للإدارة. أمّا سجلّهم هم فيُثبت أنّهم كانوا هناك.
وُثِّقت فلسطين بكثافةٍ استثنائيّة على مدى أكثر من قرن. وثّقها الموظّفون العثمانيّون، ثم الإداريّون البريطانيّون، ثم المؤسّسات الصهيونيّة، ثم الحكومة الإسرائيليّة وجيشها، ثم الأمم المتّحدة، ووكالات اللاجئين، وأجهزة الاستخبارات، والدبلوماسيّون، والكنائس، والجمعيّات الخيريّة، والأنثروبولوجيّون، والصحفيّون، ومنظّمات التنمية. يظهر الفلسطينيّون في هذا كلّه. لكنّ الظهور في ملفّات غيرك ليس كامتلاك تاريخك أنت. يمكن لشعبٍ أن يكون شديد الحضور بوصفه مسألةً إداريّة، وأن يظلّ في الوقت نفسه لا يملك تقريباً شيئاً من سجلّ حياته. لذلك فإنّ الحفظ، في نهاية المطاف، مسألة سيادة.
شعبٌ مشتّت وأرشيفٌ مشتّت
تشظّى الأرشيف كما تشظّى الشعب. النكبة لم تشتّت البشر وحدهم، بل شتّتت أوراقهم أيضاً: المجموعات العائليّة، والصور، وسجلّات المؤسّسات، والكتب، والصحف، والمخطوطات، والمراسلات، ووثائق البلديّات، والمكتبات الخاصّة. ثم واصلت الحربُ والاحتلالُ والمصادرةُ والمنفى العمليّة نفسها. اليوم تتوزّع الشظايا بين القدس ورام الله وبيرزيت وبيروت وعمّان ولندن وواشنطن، وبين بيوت العائلات الفلسطينيّة في كلّ مكانٍ تقريباً. بعض المجموعات مُفهرَسٌ ومرقمَن. وبعضها الآخر يقبع في صناديق، أو على مواقع قد لا تُعمّر بعد أصحابها، أو في ذاكرة شخصٍ واحدٍ يعرف ما يحويه ملفٌّ ولم يُخبر أحداً قطّ. وبعض أهمّ المواد لا يمكن الوصول إليه إلّا عبر مؤسّساتٍ تسيطر عليها حكوماتٌ أخرى. وهذا حريٌّ بأن يقلق كلّ من يعنيه كيف ينجو هذا التاريخ.
مؤسّساتٌ تحفظ فلسطين بالفعل
ثمّة عملٌ جادٌّ جارٍ بالفعل. أنشأ المتحف الفلسطيني أرشيفاً رقميّاً لجمع الصور والوثائق والمواد السمعيّة البصريّة من العائلات والمؤسّسات الفلسطينيّة وإتاحتها، انطلاقاً من مبدأ أنّ الذاكرة الخاصّة جزءٌ من الذاكرة الوطنيّة. وأطلقت جامعة بيرزيت أرشيفها الفلسطيني الرقمي عام 2011 لتوثيق الحياة الفلسطينيّة من العهد العثماني إلى اليوم؛ وتمتدّ مقتنياته من الأوراق العائليّة وسجلّات المؤسّسات إلى صحف أوائل القرن العشرين، مع عشرات الآلاف من الوثائق التي رُقمِنت أو يجري إعدادها للإتاحة.
أدّت مؤسّسة الدراسات الفلسطينية هذا العمل أكثر من ستّين عاماً، وتضمّ مكتباتها ومشاريعها الرقميّة كتباً وأوراقاً وصوراً وذخيرةً واسعة من البحث العلمي، ودوريّاتها أرشيفاتٌ بحدّ ذاتها. فمجلّة Journal of Palestine Studies الصادرة بالإنكليزيّة منذ 1971 تشكّل نصف قرنٍ من التوثيق المتواصل، لا مقالاتٍ فحسب بل تسلسلاتٍ زمنيّة وملفّاتٍ وثائقيّة ورصداً للاستيطان. وتؤدّي «مجلّة الدراسات الفلسطينية» العربيّة الدور نفسه للنقاش الفكري والسياسي العربي منذ 1990، فيما غدت فصليّة القدس (Jerusalem Quarterly)، الصادرة منذ 1998، محوريّةً لتاريخ القدس الاجتماعي والعمراني.
في القدس تحفظ المكتبة الخالديّة استمراريّةً من نوعٍ آخر. تأسّست عام 1900 من رحم إحدى عائلات المدينة العلميّة العريقة، وتوثّق مخطوطاتها وكتبها وأوراقها العائليّة حياةً فكريّةً تسبق الانتداب ودولة إسرائيل معاً. أمّا «خزائن»، وهو أرشيفٌ أهليٌّ مقرّه القدس أيضاً، فيعمل من الطرف الآخر للسلّم الاجتماعي، إذ يجمع المطبوعات العابرة التي ترميها أكثر الأرشيفات: الملصقات، والمنشورات، والتذاكر، والكتيّبات، والإعلانات، ذلك الورق الذي يكشف كيف عاش الناس فعلاً. ويحمل الأرشيف الوطني الفلسطيني التفويض الرسمي بحفظ السجلّات الرسميّة.
على الصعيد الدولي، يحفظ نظام الأمم المتّحدة للمعلومات بشأن قضيّة فلسطين (يونيسبال) التاريخ الوثائقي لفلسطين بوصفها قضيّةً سياسيّة، وتملك الأونروا ما هو أندر: ملفّات تسجيل العائلات الفلسطينيّة المهجَّرة منذ 1948. أُنشئت تلك الملفّات لإدارة اللاجئين. وإذ تُقرأ اليوم، فهي شجرة أنسابٍ للتهجير ونزع الملكيّة. ويحفظ أرشيف التاريخ الشفوي الفلسطيني، الذي طوّرته مكتبات الجامعة الأميركيّة في بيروت بالاستناد إلى أرشيف النكبة، سجلّاً من نوعٍ مختلفٍ تماماً: شهاداتٍ مسجَّلة للاجئين فلسطينيّين، جُمع كثيرٌ منها من الجيل الذي هُجِّر عام 1948.
الصحف أرشيفٌ أيضاً
ثمّة فئةٌ تستحقّ من الاهتمام أكثر ممّا تنال عادةً: الصحافة الفلسطينيّة. تُكتب الصحيفة لتُقرأ في الأسبوع الذي تصدر فيه. امنحها ثمانين عاماً فتصير شيئاً آخر.
خذ «فلسطين». أسّستها عائلة عيسى في يافا عام 1911، فصارت واحدةً من أهمّ الصحف في المجتمع الفلسطيني قبل النكبة. تسجّل أعدادها السياسة، والتجارة، وشؤون البلديّات، والحياة الثقافيّة، والإعلانات، والأعراس والجنازات، والسجال حول الصهيونيّة، والتعامل مع الإدارة البريطانيّة، والتشكّل البطيء لوعيٍ سياسيٍّ فلسطيني. ونحو 6,692 عدداً تغطّي الفترة من 1911 إلى نيسان/أبريل 1948، أي قرابة 38 ألف صفحة، باتت اليوم متاحةً رقميّاً عبر مجموعة «جرايد».
أمّا «الدفاع»، التي أسّسها إبراهيم الشنطي في يافا عام 1934، فكانت من أبرز منافسات «فلسطين». نجت آلاف أعدادها في صيغةٍ رقميّة، منها 3,874 عدداً من 1934 إلى 1948 في «جرايد»، إلى جانب حصيلةٍ كبيرةٍ أخرى يحفظها برنامج الأرشيفات المهدَّدة بالاندثار في المكتبة البريطانيّة. وأبكر من ذلك، تقف «القدس» لجرجي حبيب حنانيا، التي انطلقت في القدس عام 1908، قرب بداية الصحافة العربيّة الخاصّة الحديثة في فلسطين؛ وقد رقمنت مؤسّسة الدراسات الفلسطينية ما بقي منها ممّا تبرّعت به عائلة حنانيا. إفتح أيّاً منها يعُد إلى الظهور المجتمعُ الذي تختزله الملخّصات السياسيّة في أحداث 1948. هناك متاجر، ومدارس، وفنادق، ودور سينما، وأطبّاء، ومحامون، ومزارعون، ومصدّرون. هناك مشاحنات بلديّة، وإعلانات مسرحيّة، وأخبار خطوبة، ونوادٍ رياضيّة، وحركاتٌ سياسيّة تتجادل في كلّ شيء. هناك، بعبارةٍ أخرى، مجتمعٌ عاديٌّ يعمل، ولعلّ هذا أشدّ ما يمكن لأرشيف صحيفةٍ أن يُثبته وقعاً في السياسة.
السؤال المُحرج: مَن يملك السجلّ؟
هنا مكمن حرجٍ يستحقّ أن يُسمّى. صار الجزء الأكبر ممّا نجا من الصحافة الفلسطينيّة قبل النكبة أيسر ما يكون بحثاً عبر المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة. الحفظ والإتاحة مكسبان حقيقيّان؛ وبقاء المادّة في أيّ مكانٍ خيرٌ من ضياعها. لكنّ ذلك يترك سؤالاً بديهيّاً بلا جواب. لماذا يتعيّن أن يعتمد جزءٌ كبيرٌ من الإرث الوثائقي الفلسطيني على مؤسّساتٍ لا يملكها الفلسطينيّون ولا يسيطرون عليها؟ ليست المسألة أن يتجنّب الباحثون الفلسطينيّون الأرشيفات الإسرائيليّة أو البريطانيّة أو الأميركيّة. عليهم أن يستعملوا كلّ سجلٍّ يستطيعون بلوغه؛ هكذا يفعل كلّ تاريخٍ جادّ. المشكلة هي غياب مستودعٍ فلسطينيٍّ آمنٍ وشاملٍ بما يكفي كي لا يبقى الوصول إلى هذه المادّة رهناً بقرارات غيرهم. إنّ الصحف التي تُثبت مدى تطوّر المجتمع الفلسطيني قبل 1948 نجت، جزئيّاً، لأنّها رُقمِنت على يد مؤسّسات الدولة التي قامت بعد تدمير ذلك المجتمع. وهذا وحده سببٌ كافٍ لبناء قدرةٍ أرشيفيّةٍ فلسطينيّة. والغاية أن يكون وصول الفلسطينيّين إلى إرثهم الوثائقي غير مرهونٍ بسياسات مؤسّساتٍ خارجةٍ عن السيطرة الفلسطينيّة، ولا بأولويّاتها، ولا باستمرار تعاونها. فحيازة الوثائق لا تمنح أحداً ملكيّة التاريخ نفسه، ولا ينبغي للحفظ أن يغدو بديلاً من عهدة الفلسطينيّين على سجلّهم.
صحافة اليوم أرشيف الغد
المنطق نفسه ينطبق على ما يُنشر الآن. وثّقت «القدس» و«الأيّام» و«الحياة الجديدة» عقوداً من الحياة السياسيّة والاجتماعيّة الفلسطينيّة في ظلّ السلطة الفلسطينيّة. وخطوطها التحريريّة لا تغيّر شيئاً في الأمر. فأنت لا تؤرشف ما توافق عليه وحده؛ الأرشيف هو السجلّ الذي تستخلص منه الأجيال اللاحقة ما كان مجتمعٌ يقوله ويعتقده ويتنازع عليه. ووكالة وفا، وكالة الأنباء الفلسطينيّة، مهمّةٌ للسبب نفسه، وأرشيفها الإلكتروني القابل للبحث يحوي فعلاً تسلسلاً زمنيّاً يوميّاً كثيفاً للأحداث السياسيّة والدبلوماسيّة والثقافيّة، لن تنفكّ قيمته للمؤرّخين تتصاعد. وكذلك ستكون أرشيفات المطبوعات الفلسطينيّة الصادرة خارج فلسطين. فصحيفة The Palestine Chronicle، التي أسّسها رمزي بارود عام 1999، راكمت أكثر من ربع قرنٍ من التقارير والتعليقات والحوارات والشهادات الفلسطينيّة المكتوبة لقرّاءٍ في الخارج. والأمر نفسه يصحّ في المجلّات، والمراجعات الأدبيّة، وصحف الشتات، والمجلّات المتخصّصة التي يُترَك بقاؤها اليوم للصدفة. الموقع الإلكتروني يوحي بالديمومة لأنّه ظاهرٌ للعيان. والظهور ليس حفظاً.
مجلّةٌ صارت أرشيفاً
كيف يبدو هذا في الواقع؟ هنا الجواب؛ تصدر مجلّة «هذا الأسبوع في فلسطين»
This Week in Palestine
منذ 1998 وتغطّي الحياة الثقافيّة والفكريّة والاقتصاديّة والمدنيّة الفلسطينيّة شهراً بعد شهر، وقد تجاوزت الآن 330 عدداً، في موضوعاتٍ تتراوح من التراث والعدالة البيئيّة إلى ذاكرة النكبة، والقدس، وريادة الأعمال، والصمود الاقتصادي. أيّ عددٍ منفردٍ ليس إلّا مجلّة. أمّا المجموعة الكاملة فهي تاريخٌ اجتماعيٌّ لفلسطين عبر قرابة ثلاثين عاماً، فبين صفحاتها كتّابٌ، وأكاديميّون، ومعماريّون، وفنّانون، وروّاد أعمال، ومنظّمات أهليّة، وبلديّات، ومطاعم، ومتاحف، ومدارس، وموسيقيّون، ومزارعون، وجماعاتٌ معنيّةٌ بالتراث. بعض تلك المؤسّسات أُغلق منذ ذلك الحين. وبعض الأحياء تغيّر بالفعل. وبعض من أُجريت معهم المقابلات ماتوا، وبعض المباني المصوَّرة لن يكون قائماً بعد عشرين عاماً أخرى. هكذا تتحوّل الدوريّة إلى أرشيف، فالأرشيفات السياسيّة تخبرك بما أعلنه القادة، والدبلوماسيّة بما تفاوضت عليه الحكومات، والعسكريّة بما خطّطت له الجيوش، والإنسانيّة بمن تلقّى المعونة. أمّا «هذا الأسبوع في فلسطين» فتسجّل كيف عاشت فلسطين، وهذا ليس صنفاً أدنى من التاريخ، ولعلّه أكثره إنسانيّة. تستحقّ مجموعتها الكاملة معالجةً أرشيفيّةً لائقة: ملفّاتٌ بجودة الحفظ لكلّ عدد، وبياناتٌ وصفيّةٌ موثوقة، وفهرسةٌ للمؤلّفين، وحفظُ التعليق والتاريخ مع كلّ صورة، وحفظُ ملفّات التصميم الأصليّة وملفّات PDF بمعزلٍ عن الموقع، ونسخٌ عدّة تُحفظ في مؤسّساتٍ متباعدةٍ بما يكفي كيلا يمحوها عطلٌ واحد. نسخةٌ واحدةٌ على خادمٍ واحدٍ لا يفصلها عن العدم سوى عطلٍ واحد.
المواقع تموت
التاريخ الرقمي أهشّ بكثيرٍ ممّا يبدو. النطاقات تنتهي صلاحيّتها، وشركات الاستضافة تُغلق، والخوادم تتعطّل، وقواعد البيانات تتلف، والبرمجيّات يتوقّف دعمها، وروابط الصور تنكسر. وقد يجرّد الانتقالُ بين أنظمة إدارة المحتوى البياناتِ الوصفيّة، ويقلّص الصور، ويُسقط تواريخ النشر، ويترك المادّة القديمة خارج الفهرسة. قد تحوز مطبوعةٌ خمسةً وعشرين عاماً من المحتوى فتفقد كثيراً منه في إعادة تصميمٍ واحدةٍ أُسيء تدبيرها. وهذا أمرٌ شائع. إنّنا ننتج من الأدلّة التاريخيّة أكثر ممّا أنتج أيّ جيلٍ قبلنا، ونحفظها في الغالب أقلّ أماناً من الورق. صحيفةٌ في مكتبةٍ جافّة قد تصمد مئتي عام. وموقعٌ إلكترونيٌّ قد يزول بين ليلةٍ وضحاها. لهذا لا يحتمل الشقّ الرقمي من الحفظ الفلسطيني أيّ تأجيل.
غزّة جعلت السؤال مستحيل التأجيل
أزالت غزّة أيّ عذرٍ للتأخير. أظهر الدمار هناك مدى انكشاف الذاكرة الثقافيّة، إلى جانب كلّ شيءٍ آخر. دُمِّرت جامعاتٌ، ومكتباتٌ، ومراكز ثقافيّة، وأرشيفات، ودور نشر، ومراسم فنّانين، ومبانٍ بلديّة، وبيوت، ومعها تذهب السجلّات. القنبلة لا تفرّق بين جدارٍ والصور العائليّة خلفه. مبنى جامعةٍ مسوّىً بالأرض يأخذ معه ملفّاته الإداريّة ومجموعاته البحثيّة وأوراقه الشخصيّة. صحفيٌّ يُقتَل يأخذ معه أرشيفاً شخصيّاً. بيتٌ يُدمَّر قد يمحو ثلاثة أجيالٍ من الصور والرسائل في ثوانٍ. الحفظ إذاً لا يمكن أن يبدأ بعد الكارثة. والدرس ليس مجرّد الرقمنة، بل التوزيع. فأرشيفٌ فلسطينيٌّ لا يوجد إلّا في موقعٍ ماديٍّ واحد، أو خادمٍ واحد، أو ولايةٍ قضائيّةٍ واحدة، يظلّ أرشيفاً مهدَّداً. الرقمنة بالنسبة إلى الفلسطينيّين ليست ترفاً أكاديميّاً؛ إنّها تأهّبٌ للكارثة.
علينا أن نحفظ العاديّ
طالما حابت الأرشيفات أصحاب السلطة. الرؤساء يتركون أوراقاً، والوزراء يتركون أوراقاً، والحركات السياسيّة تترك أوراقاً؛ أمّا العائلات العاديّة فلا تفعل غالباً. لكن لا يمكن إعادة بناء التاريخ الفلسطيني من ملفّات المنظّمات السياسيّة وحدها. إنّه يحتاج إلى الشهادة المدرسيّة، ودعوة العرس، وسند ملكيّة الأرض، وفاتورة المتجر، والصورة الملتقطة أمام بيت العائلة. يحتاج إلى قوائم طعام المطاعم، وبرامج المسرح، وصحف الجامعات، ومنشورات النقابات، وإعلانات البلديّات، ونشرات مخيّمات اللاجئين، ورسوم المعماريّين، ومحاضر جمعيّة القرية، ومراسلات صاحب دكّان، ودفتر معلّم، وسوالب مصوّرٍ فوتوغرافي، والمجلّة التي لم يظنّ أحدٌ أنّها ستعني شيئاً بعد خمسين عاماً. التاريخ يُقرأ من الخلف، ولا أحد يعرف اليوم أيّ غرضٍ يبدو تافهاً سيجيب عن سؤالٍ حقيقيٍّ في عام 2080. وجزءٌ من عمل الأرشيفي أن يحمي ذلك المستقبل من ثقة الحاضر بنفسه.
للشهادة الشفويّة مكانٌ في هذا السجلّ بالإلحاح نفسه. كثيراً ما فصل التهجير العائلات الفلسطينيّة لا عن بيوتها فحسب، بل عن الأثر المكتوب للحيوات التي عاشتها هناك. فحملت الذاكرة تبعاً لذلك معلوماتٍ لم يحوها أيّ مستندٍ ناجٍ: أسماء الحقول والأحياء، وأنماط الملكيّة، والصلات بين العائلات، والعادات المحلّيّة، ورحلات التهجير، وروايات أحداثٍ لم تُدوَّن رسميّاً قطّ. وقد بيّن موقع «فلسطين في الذاكرة» (Palestine Remembered)، أيّاً كانت حدوده مستودعاً علميّاً منهجيّاً، ما يمكن أن يبدو عليه حفظ تلك الذاكرة على نطاقٍ واسع، إذ جمع حصيلةً هائلةً من تواريخ القرى والصور والخرائط والشهادات من المجتمعات المهجَّرة. والجيل الباقي القادر على تذكّر فلسطين قبل 1948 آخذٌ في الاختفاء. تسجيل تلك الأصوات ليس أمراً تكميليّاً للحفظ الأرشيفي. إنّه الحفظ الأرشيفي نفسه.
شبكةٌ أرشيفيّةٌ فلسطينيّة
الجواب ليس أرشيفاً مركزيّاً واحداً ضخماً. فالتاريخ الفلسطيني نفسه تحذيرٌ من وضع كلّ شيءٍ في مكانٍ واحدٍ هشّ. المطلوب شبكة. ينبغي أن يكون في مقدور المتحف الفلسطيني، وبيرزيت، ومؤسّسة الدراسات الفلسطينية، والمكتبة الخالديّة، و«خزائن»، والأرشيف الوطني الفلسطيني، وسواها، أن تعمل وفق معاييرَ مشتركة. وينبغي أن تشارك «هذا الأسبوع في فلسطين» و«وفا» وكبريات الصحف. وأن تكون الجامعات في الخارج التي تحوز مجموعاتٍ فلسطينيّةً مهمّةً شريكةً في ذلك. وأن يُعان الأهالي على رقمنة ما يملكون من دون أن يُضطرّوا إلى التخلّي عن الأصول.
يمكن لفهرسٍ مشترك أن يُخبر باحثاً أنّ موادّ عن قريةٍ أو عائلةٍ أو حدثٍ بعينه موجودةٌ في ستّ مجموعاتٍ مختلفة. ويمكن أن تُنسَخ النسخ الرقميّة بين المؤسّسات، حتى لا يكون حريقٌ واحدٌ أو حجزٌ عقاريٌّ واحدٌ قاتلاً. ويمكن إعطاء الأولويّة لأشدّ المواد هشاشة، وتسجيل التواريخ الشفويّة ما دام حاملوها أحياء. والشتات جزءٌ من هذه الشبكة، لا على هامشها. لندن، وبيروت، وعمّان، والكويت، وسانتياغو، وديترويت، وواشنطن تحوز تاريخاً وثائقيّاً فلسطينيّاً لأنّ التاريخ الفلسطيني نفسه دُفع إلى تلك المدن. أرشيف الشتات جزءٌ من الأرشيف الوطني.
ثمّة أرشيفٌ آخر يختفي الآن
ثمّة فئةٌ أحدث تتطلّب اهتماماً فوريّاً: المواد المولودة رقميّاً (born-digital)، أي التي نشأت في الأصل في صيغةٍ رقميّة. رسائل واتساب، والبريد الإلكتروني، وصور الهواتف، والمواقع، والمجلّات الإلكترونيّة، ومقابلات يوتيوب، والبودكاست، ومنشورات وسائل التواصل، والفنّ الرقمي، والنشرات الإلكترونيّة، وقنوات تيليغرام، وقواعد البيانات، صارت اليوم مصادرَ أوّليّة، وهي سهلة الضياع على نحوٍ غير معتاد. سيكون بين يدي مؤرّخي الانتفاضة الأولى ورقٌ: صحف، ومنشورات، وصور. أمّا مؤرّخو غزّة بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023 فقد يجدون أنّ كثيراً من السجلّ الأوّلي لم يوجد يوماً إلّا على منصّاتٍ تملكها حفنةٌ من شركات التقنية. الحسابات تختفي، والمحتوى يُزال، ومقاطع الفيديو تُحذف، والروابط تتعفّن، وكلمات المرور تموت مع أصحابها، وخوارزميّات التوصية تدفن ما لا يزال قائماً من الناحية التقنيّة. حفظ هذه المادّة على نحوٍ أخلاقيٍّ ومنهجيٍّ وبنسخٍ احتياطيّةٍ متعدّدة هو حالة طوارئ بحدّ ذاته، وعلى المؤسّسات الفلسطينيّة أن تعمل عليه الآن.
الذاكرة سياسيّة لأنّ المحو سياسي
لا يعني هذا كلّه أن يصير الأرشيف دعايةً. بل العكس: على أيّ أرشيفٍ فلسطينيٍّ جادٍّ أن يحفظ الاختلاف. عليه أن يحتضن القوميّين والشيوعيّين، والإسلاميّين والليبراليّين، والنسويّات، والمسيحيّين، والعلمانيّين، أهلَ المؤسّسة ومنشقّيها، والوثائق المُحرِجة إلى جانب البطوليّة. السيادة التاريخيّة لا تعني اختلاق ماضٍ مُرضٍ. بل تعني امتلاك الأدلّة التي يمكن منها فحص الماضي بأمانة، بما في ذلك الأجزاء التي كان من يقومون بالحفظ يفضّلون لو أنّها لم تُكتشف. هذا هو الفرق بين الأرشيف والنُّصب. النُّصب التذكاري يُملي عليك ما تتذكّره. والأرشيف يتيح لك أن تتحقّق.
من موضوعٍ إداريٍّ إلى ذاتٍ تاريخيّة
على مدى أكثر من قرن، عاش الفلسطينيّون داخل ملفّات غيرهم. صنّفهم البريطانيّون، ودرستهم الحركة الصهيونيّة، وسجّلتهم إسرائيل وراقبتهم وأدارتهم، وأحصتهم الأمم المتّحدة والأونروا. يظهر الفلسطيني في كلّ مكانٍ من هذه الأوراق: لاجئاً، ومقيماً، وغائباً، وخطراً أمنيّاً، ومستفيداً، وفئةً ديموغرافيّة، وحالةً إنسانيّة، وعقبةً تفاوضيّة. الوفرة تُخفي غياباً. فلا يكاد الفلسطيني يظهر في أيّ موضعٍ منها مؤلِّفاً للسجلّ. وهذا ما يغيّره أرشيفٌ فلسطيني: يعيد الملفّ حالةً إلى عائلة، والتعداد السكّاني إلى مجتمع، ويضع الفلسطيني في موضع من يكتب السجلّ لا من يُكتَب عنه.
الأرشيف ليس خلفنا
من المغري أن نظنّ الأرشيفات أماكن لما انتهى وفرغ. تُبيّن فلسطين لماذا هذا الظنّ خطأ. فالسجال حول التاريخ الفلسطيني ما زال حيّاً، والسجلّ نفسه ما زال متنازَعاً عليه: من عاش أين، وما الذي كان قائماً قبل 1948، وما الذي مُلك ووُعد به ودُمّر، وكيف فهم الفلسطينيّون هويّتهم. تلك الأسئلة ما زالت تحرّك سياسة الحاضر، وهذا ما يضع الأرشيف عند ملتقى التاريخ والقانون والثقافة والسلطة. الأرشيف هو حيث يتشبّث شعبٌ منزوعُ الملكيّة بذاته عبر قطيعةٍ كبرى.
الوقت لا يرحم. الجيل الذي يتذكّر فلسطين قبل النكبة يكاد يختفي. والجيل الذي أعاد بناء المؤسّسات الفلسطينيّة بعد 1948 في طريقه إلى الزوال. والذين شهدوا 1967 قد شاخوا. والسجلّ الورقي لأواخر القرن العشرين يتحلّل، والسجلّ الرقمي المبكّر يصير عصيّاً على القراءة على أجهزة اليوم، وأحدث السجلّات يُصنع على منصّاتٍ لا يسيطر عليها الفلسطينيّون. قد لا تأتي أبداً لحظةٌ أخرى يمكن فيها إنقاذ هذا القدر.
كلّ أرشيفٍ يُدمَّر أو يُحال دون الوصول إليه يوسّع المساحة التي يعمل فيها الإنكار، لأنّ ادّعاءاتٍ كان يمكن يوماً اختبارها في مواجهة السجلّات الفلسطينيّة تصبح حججاً تُدار في معظمها عبر سجلّات من مارسوا السلطة على الفلسطينيّين. وهذا يفرض واجباً. على «فلسطين» و«الدفاع» أن تبقيا. وكذلك مجموعات المتحف الفلسطيني، وبيرزيت، ومؤسّسة الدراسات الفلسطينية، والمكتبة الخالديّة، و«خزائن»؛ وملفّات الأونروا و«يونيسبال»؛ والمجموعات المتراكمة لـJournal of Palestine Studies، و«مجلّة الدراسات الفلسطينية»، وفصليّة القدس، و«هذا الأسبوع في فلسطين»؛ وسجلّات «وفا»، و«القدس»، و«الأيّام»، و«الحياة الجديدة»، وThe Palestine Chronicle، والصحف والمجلّات والدوريّات والمنابر الرقميّة الأصغر التي دوّن الفلسطينيّون أنفسهم من خلالها. بقاؤها ليس حكماً على ما طبعته. كثيرٌ منه كان خاطئاً، وكثيرٌ من المواقف فيه لا يستحقّ الدفاع. عليها أن تبقى لأنّها تحمل مجتمعةً السجال الذي ظلّ الفلسطينيّون يخوضونه، مع العالم ومع أنفسهم، أكثر من مئة عام. أضِعْه يضيع شيءٌ لا يُعوَّض. احفَظْه يُورث الجيل التالي دليلاً. فالأرض يمكن أن تُحتلّ، والبيت أن يُهدَم، والقرية أن يُغيَّر اسمها، والمكتبة أن تُنهَب، والشعب أن يُشتَّت عبر القارّات، وكلّ هذه المآسي جرت فعلاً، وكلٌّ منها أصعب إتماماً، وأصعب بكثيرٍ تمريراً كأنّه لم يحدث قطّ، ما دامت الوثائق باقية. لهذا، بالنسبة إلى فلسطين، ليس الأرشيف شأناً من شؤون الذاكرة وحدها. الأرشيف جزء من الوطن.

