يتفق أغلب الذين يتابعون الشأن الإسرائيلي على أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو متطرف انتهازي وخسيس، لكنه حقق كثيرًا مما يطمح إليه، وحاز عمليًا لقب صقر إسرائيل. وضمنت له انتهازيته دعم الكونغرس الأميركي وفرض نفسه حتى على المشرعين الأميركيين الذين يرونه وقحًا ومقرفًا وماكرًا. ومنذ عشرين عامًا لم يسلم رئيس أميركي من ابتزازه وتهديداته الوقحة.
ولم يحقق نتنياهو هذا المجد بالانتهازية وحدها، بل بعامل آخر أشد تأثيرًا من مواهبه، وهو رعونة أعدائه في ما يسمى بالمقاومة التي تتفشى فيها طواعين الأيديولوجيا. ينتقي نتنياهو أعداءه ويكبرهم على يديه، ويمنحهم فرصة أن يعيشوا العظمة ومجد الأضواء والغطرسة، ويتوهمون أنهم قد أصبحوا أرقامًا صعبة. وينسون أن نتنياهو هو الذي يسّر لهم هذا المجد، وإذا ما تمادوا وخرجوا عن نطاق المفيد، يقرر نتنياهو، في ليلة ظلماء معتمة إلا من مصابيح "أف.15"، اجتثاثهم واحدًا تلو الآخر، كأنما لم يغنوا بالأمس.
استراتيجية إسرائيل أن السلام يمنع تمدد المستوطنات، وينهي صورة إسرائيل طفلة الغرب المدللة المهددة بالوحوش الضارية. وهذا يتطلب وجود مجموعات أيديولوجية مسلحة عمياء تجاور إسرائيل وتهددها وترفض السلام. والاستراتيجية الثانية لإسرائيل التي تبناها نتنياهو: تقسيم صفوف العدو. ووجد نتنياهو أن لا أحد يحقق استراتيجيته إلا حزب الله وحماس، لهذا، بأسلوبه وخلف الحجب، دعم التنظيمين، ليتمكنا ويصبح لهما دور وتأثير على الساحتين الفلسطينية واللبنانية. بل، وطوال العقد الماضي، قدم نتنياهو دعمًا مباشرًا لحماس لتبقى إمارة في غزة يستعصي ضمها لسيادة السلطة، وأيضًا لتستمر حماس بشعار تحرير "كل فلسطين"، مما يعطي لنتنياهو العذر بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام. ونتنياهو يعلم أن المنظمات الأيديولوجية مثل حزب الله وحماس تتولع بشعارات تمويهية طنانة، وأهدافها الحقيقية إما منفعية أو أيديولوجية ليس لها علاقة بتحرير فلسطين، وقد قال وزير حمساوي إن قضية فلسطين عنده "لا تساوي عود الأسنان" بالنسبة إلى الهدف الأممي الأسمى. وجهود حزب الله الحقيقية تنصب على تأسيس جمهورية إيرانية في لبنان وجمهوريات أخرى في اليمن والعراق بهدف ترسيخ التغلغل الإيراني في الدول العربية. وتحرير فلسطين والمقاومة مجرد شعار للاستهلاك وقناع، حتى وإن اضطر الحزب إلى محاربة إسرائيل، لضرورة الشعار وليس الهدف. وسبق أن أعلن أمين حزب الله المقتول، حسن نصرالله، أنه، في حياته، لم يصدق قط قدر صدقه في دعمه للحوثيين، ومهمة الحوثيين الأولى ترسيخ النفوذ الإيراني، وليس تحرير فلسطين.
*وتر
بساتين الزيتون الخضر تحترق،
والنار تشوي الأجساد الجائعة النحيلة
قرابين للشعارات
إذ الفقراء تعذبهم دروب المنافي
يمزجون دموعهم الغزيرة وتراب الأنقاض.


