: آخر تحديث

ما بعد حل «قسد»

3
3
1

لا شك أن قرار الجنرال مظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) حل القوات هو قرار تاريخي؛ لأنه يخرج الأكراد من مسار الدم، بل يخرج السوريين الآخرين من المسار ذاته في المواجهة مع إخوانهم الكرد. وفوق ما سبق، فإن تاريخية القرار تجسد تحولاً جوهرياً في مسار تسوية القضية الكردية، بانتقالها من التسوية عبر العنف إلى التسوية بالطرق السياسية. وأعتقد أن الأخيرة هي المسار الوحيد لحل ومعالجة القضايا المعقدة والصعبة في واقع سوريا اليوم؛ إذ إن العنف لا يولد إلا العنف، والدم لا يجر إلا الدم، والشواهد في سوريا كثيرة، وأشدها قسوة حرب نظام الأسد الأخيرة على السوريين.

غير أن النظرة الإيجابية لقرار حل «قسد» لا يمكن رؤيتها دون النظر إلى البيئة المحيطة بالقرار؛ إذ إن لها تأثيراً كبيراً على تداعياته، والآثار التي سوف تتمخض عنه، والمرتبطة بالسياسات والممارسات التي سيتم اتخاذها وتطبيقها من المستويات السورية المختلفة، ولا سيما الحكومة والبيئات النخبوية والشعبية من جهة أخرى.

ويشكل الجموع السوري البشري، بما فيه السلطة الحاكمة، أساس البيئة المحيطة بالقرار، ويتوزع الجموع إلى ثلاثة اتجاهات (ولو بتمايزات محدودة وفيها بعض الاختلافات): الاتجاه الأول، وهو حاضر بين مؤيدي قرار الحل، ويبدأ من الحلقة الأولى في قيادة «قسد» والحكومة السورية، ويمتد إلى بعض النخبة وقطاع من السوريين الذين يتبنون فكرة حل سلمي للقضية الكردية. وهذا الاتجاه كان حاضراً ومتواصلاً على مدار العقدين الماضيين رغم حركات المد والجزر التي عاشتها سوريا في تلك الفترة، وقد أتاح سقوط نظام الأسد وولادة السلطة الجديدة عودة هذا الاتجاه، وتطوره عبر اتفاقات بين «قسد» والحكومة، والتي أوصلت الوضع إلى قرار الحل بعد قرار إدماج تجربة شمال شرق سوريا في مؤسسات الدولة السورية، بما فيها التشكيلات العسكرية، وأساسها قوات «قسد».

الاتجاه الثاني في البيئة المحيطة بقرار حل «قسد» يمثله أصحاب الرؤوس الحامية من سوريين متنوعي الخلفيات، وخاصة أتباع الخلفية القومية المتشددة من عرب وأكراد، والتي ساهمت سياسات الأسدين خصوصاً في تصعيدها، رغم أنها طبقت أشد السياسات عنفاً وقهراً ونهباً على مناطق الحياة المشتركة للعرب والأكراد في الجزيرة السورية وغيرها، وساعدت في تصعيدها سياسات خارجية إقليمية ودولية، دفعت إلى تشدد في الجانبين، وجرى دعمها بثلاث نقاط استُجدت: أموال، وأسلحة، ومساندة سياسية. والأهم رغبة البعض من القيادات المحلية في لعب دور سياسي بعد أن تم استبعادهم واستعبادهم في حقبة نظام الأسدين.

بين الاتجاه الأول والاتجاه الثاني المختلف، يمتد الاتجاه الثالث؛ إذ يشكل طيفاً سورياً واسعاً وغير منظم متعدد المواقف، وغالباً له مواقف متغيرة أسيرة العلاقة مع خلفيات منوعة، بعضها يتصل بالسياسة والانتماءات العرقية والمناطقية، وجزء منه متأثر بالإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، ليشكل خليطاً معقداً، لكنه في العموم أقرب إلى روح السوريين البعيدة عن التشدد، والراغبة في التعايش، وتكريس قيم العيش المشترك، والتزام السلم الأهلي، والرغبة في استعادة الحياة الطبيعية للسوريين بعد كل ما عانوه من كوارث وصعوبات. وتدعم الروح الحاضرة في هذا الاتجاه سيرة تاريخية طويلة من عيش مشترك ليس بين العرب والأكراد فحسب، وهم الذين كثيراً ما تصاهروا وتشاركوا في الحياة، وخاصة في الأنشطة الاقتصادية والسياسية والمدنية والأهلية، بل هي روح قائمة وممتدة في العلاقة بين مكونات الجماعة الوطنية على اختلاف انتماءاتهم ما قبل الوطنية السورية.

وتؤكد خلاصة البيئة السورية المحيطة بقرار حل «قسد»، أنها إيجابية ومبشّرة في أكثر من جانب. ولأن التقدير على هذا النحو؛ فإن الضرورة تدفع للتدقيق فيما ستكون عليه المواقف والسياسات والممارسات، التي تتبع قرار الحل، الذي يمثل فاتحة لما بعده للوصول إلى الهدف العميق؛ فالحل ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو أداة للوصول إلى الهدف الذي يمكن تدقيقه في ثلاثة تفاصيل: تبني منهج الحل السياسي في الحياة الوطنية، ومعالجة ما خلفته المرحلة الماضية من الصراعات، وإعادة تطبيع الحياة السورية بين العرب والأكراد لتكون مثالاً للسياسة في كل أنحاء البلاد، بما فيها مناطق الحساسيات، ومنها الساحل والسويداء، التي يُفترض أن تكون على رأس برنامج الحل السوري في المرحلة القريبة المقبلة.

ولا يحتاج إلى تأكيد أن في تفاصيل الهدف جانباً عاماً يتعلق بكل السوريين، مثل قضايا الحريات وحقوق الإنسان والمشاركة، وبعضها خاص ينطبق على موضوع الأكراد، ومنها قضايا الثقافة المتصلة باللغة والتقاليد.

وفي معظم الحالات، إن لم نقل كلها، فإن دور السلطة محوري في الجانبين؛ إذ هي الفاعل الرئيس في رسم وتنفيذ سياسات انفتاح سياسي واقتصادي واجتماعي مطلوب في شمال شرق سوريا وفي المناطق الأخرى، ومثله معالجة المشاكل القائمة، مثل تطبيقات العدالة الانتقالية ومشاكل النزوح والاختفاء القسري، وتحسين مستويات الحياة، وفتح آفاق أفضل للتنمية والتقدم... ولا يقل دور النخبة السورية من عرب وأكراد أهمية عن دور السلطة في ما يلي قرار حل «قسد»؛ لأن هذا الدور لا يقوم في شكله العام فقط على تجسير العلاقة والتفاعل بين السلطة والشعب، إنما أيضاً على استنباط أفكار وأنماط عمل وعلاقات أفضل في علاقات ونشاطات الطرفين، وتطوير السلوكيات والممارسات الإيجابية في الأوساط الشعبية، وفي مقدمتها محاربة نزعات التطرف والتشدد والتنمر ضد آخرين من أفراد وجماعات، وتجاوز ما سبق إلى تجريم تلك الممارسات، وإشاعة المحاسبة وتطبيق القانون بشدة على مرتكبي تلك الجرائم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد