: آخر تحديث

قلبي الصغير لا يحتمل

3
3
2

سهوب بغدادي

يتساءل البعض لماذا أصبح العالم أكثر هشاشة من ذي قبل، فكل شيء غالبًا مؤلم، وكل حادثة يهرع صاحبها إلى نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، فنرى صور المغذي والسرير الأبيض وعلب الأدوية، والأشد أن تصبح «الحلطمة» التشكي والتذمر أمرًا معتادًا خاصةً لدى المشاهير، فقبل سنوات غير بعيدة لم نكن نشهد تلك الظاهرة، فالشخص يتحمل ويكافح ويكتفي بالاستمرار، في زمن قريب كنا لا نعرف العلامات الحمراء «ريد فلاق» أو الخضراء أو النرجسية أو الصدمات بأنواعها أو غيرها من المفاهيم التي اقتحمت حياتنا وأصبحت تداهمنا في مواقع التواصل الاجتماعي وفي الحياة الطبيعية

فنسمع أن فلانا لديه الكثير من «الريد فلاقز» وفلانة نرجسية والآخر لديه «تروما» أو صدمة طفولة، في هذا النطاق، صاغ عالم النفس الأسترالي نيك هاسلم في عام 2016 مصطلح زحف المفاهيم أو توسع المفاهيم concept creep

ويأتي بمعنى اتساع مفهوم ما مع مرور الوقت ليشمل ظواهر جديدة لم تكن تندرج تحته سابقًا، ويتخذ اتجاهين أفقي وعمودي، فالأفقي يعني إدراج مفاهيم ومصطلحات جديدة تتبع المفهوم الأول كالتنمر، الذي يشمل الآن الإيذاء اللفظي والبدني والمادي وغيرها من المفاهيم المعاصرة، أما العمودي فيأتي ليعيد تعريف المفهوم بشكل أقل صرامة ليضم مفاهيم وأحوالًا أقل حدة، كالصدمة الناتجة عن الحرب فالآن أضحت مصطلحًا شائعًا لدى الكثير من الأشخاص في مواضع واردة الحدوث في الحياة اليومية، فتسمع شخصًا يقول لدي صدمة من كذا، أو فلان تسبب لي بصدمة ما، فما الأسباب التي تجعل الأشخاص والمجتمعات تزحف نحو زحف المفاهيم؟ بدايةً، إن الفورة الرقمية نتج عنها مستوى من الوعي في أغلب المجالات التي أصبحت متاحة بشكل فوري وذلك أمر جيد، ثم تلعب تلك الوسائل الرقمية دورًا في التواصل بل حلت محل التواصل التقليدي لدى أغلبية الأشخاص، إذ يُظهر المطلع على المنشورات والمحتويات تعاطفًا ودعمًا وإعجابًا بما نشره صديقه، أيضًا، كلما زادت الرفاهية وتعرض الإنسان للصعوبات قل مستوى تحمله، فلو نظرنا إلى حال أجدادنا مثلًا كان لديهم قدرة على تحمل الحرارة والشمس، وكانوا يكتفون بدعوة «اللهم اكفنا حر نار جهنم» أما الآن يشكل الحر إشكالية كبرى مما يترتب عليه تبعات شخصية واجتماعية واقتصادية أيضًا، فالتبريد والتكييف في أغلب الأماكن، والشركات تبدع في صنع واقعيات الشمس، والمنتجات المساعدة على الوقاية من الحرارة، ثم ترى الإعلانات للمشروبات والمثلجات والأطعمة الباردة وهكذا دواليك، إنها دورة وحلقة من زحف المفاهيم التي نتج عنها زحف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما إلى ذلك، في الختام، قد أكون واقعة في ذات المفهوم في مواطن أجهلها، إلا أنني أحاول أن أعي أولًا بالشيء ثم أعذر من يقع فيه كذلك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد