كل حركة نقوم بها في العالم الرقمي تترك خلفها قيمة اقتصادية..ما نبحث عنه، وما نشتريه، وما نشاهده، والأماكن التي نزورها، والوقت الذي نقضيه أمام محتوى معين، جميعها تتحول إلى بيانات تساعد الشركات على فهم سلوكنا، وتوقع احتياجاتنا، وتطوير منتجاتها، وتوجيه قراراتها بصورة أكثر دقة.
هذا النشاط اليومي صنع ما يمكن تسميته باقتصاد الظل الرقمي، الذي يتشكل من البيانات التي ننتجها أثناء استخدام التطبيقات والمنصات والخدمات الرقمية، ويتوسع مع ارتفاع عدد الأجهزة المتصلة وتزايد الاعتماد على التقنية في تفاصيل الحياة اليومية.. فكل عملية بحث أو شراء أو مشاهدة تضيف معلومة جديدة إلى الصورة التي تتكون عن اهتمامات المستخدم وسلوكه وتفضيلاته.
وتظهر القيمة الاقتصادية لهذه البيانات في معرفة المنتجات التي يبحث عنها المستهلك، والأسعار التي يتفاعل معها، والأوقات التي يشتري فيها، والأماكن التي يرتادها، تمنح الشركات قدرة على قراءة الطلب وتطوير المنتجات.. ومع تراكم البيانات تصبح قراءة السوق أسرع، وتستند إلى سلوك فعلي يحدث كل يوم.
ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في التجارة الإلكترونية، فعندما يبحث المستخدم عن منتج ثم يتصفح عدة خيارات ويغادر دون شراء، تظل هذه الرحلة ذات قيمة، لأنها تكشف مستوى الاهتمام بالمنتج ونطاق السعر المقبول وطريقة المقارنة بين الخيارات.
الأمر يمتد أيضاً إلى المشاهدة والتنقل، فالمنصات تعرف نوع المحتوى الذي يجذب المستخدم والمدة التي يقضيها معه واللحظة التي يتوقف فيها عن المشاهدة، بينما تساعد بيانات الحركة والتنقل على فهم أوقات الذروة وكثافة الاستخدام وتوزيع الطلب بين المواقع..وهنا تتضاعف قيمة البيانات كلما ارتفعت القدرة على تحليلها وربطها بقرارات تشغيلية واضحة.
ومن المهم أن نفهم كأفراد أن وجودنا الرقمي يحمل قيمة اقتصادية، وأن البيانات التي نتركها خلفنا تدخل ضمن دورة واسعة من التحليل والتطوير والتسويق..وهذا الفهم يرفع مستوى الوعي بطريقة استخدام التطبيقات، والصلاحيات التي نمنحها، والمعلومات التي نشاركها، وأهمية قراءة إعدادات الخصوصية ومعرفة طبيعة البيانات التي تجمعها الخدمات التي نستخدمها بصورة مستمرة.
وعلى مستوى الشركات، ستكون القدرة على إدارة هذه البيانات عاملاً مؤثراً في كفاءة الأعمال خلال السنوات المقبلة، لأن امتلاك كمية كبيرة من المعلومات يحتاج إلى قدرة حقيقية على تنظيمها وتحليلها وحمايتها وربطها بالقرار.. وتبرز هنا أهمية الحوكمة والخصوصية والأمن السيبراني، باعتبارها عناصر أساسية في بناء الثقة والمحافظة على القيمة الاقتصادية للبيانات.
وربما ما يستحق الانتباه أن جزءاً كبيراً من هذا الاقتصاد نصنعه نحن دون أن نشعر، من خلال تفاصيل صغيرة نقوم بها يومياً على هواتفنا وهذا يفترض أن يجعلنا أكثر فهماً لواقعنا الرقمي حينما نقوم بالبحث أو الموافقة على إعدادات الخصوصية وغيرها.

