انتهى عهد الشرق الأوسط الأمريكي، كان النظام الإقليمي السائد منذ عام ١٩٩١ إحدى ضحايا الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، وأثبت فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في إزاحة النظام في طهران، وفشل وإفلاس عقود من العقوبات والعنف. وقد قوّض عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية، أو الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحاً، بشكلٍ خطير، الاتفاق الأمني الأساسي، الذي برر شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة، كما أن موقف إسرائيل التهديدي المتزايد، وتخليها عن أي تظاهر بالاهتمام بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، قد أنهى مهمة واشنطن، التي استمرت لعقود في الجمع بين حلفائها العرب وإسرائيل في شراكة أمنية دائمة.
فقد أوصلت حرب الرئيس ترامب الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة إلى نهايتها المنطقية، لكن النظام القديم في الواقع يفسح المجال لنظام جديد. تُذكر أزمة السويس عام 1956 اليوم باعتبارها آخر أنفاس النفوذ الإمبراطوري البريطاني في الشرق الأوسط، لكن الوصول إلى تلك النهاية الحتمية استغرق سنوات. ولن تختفي الهيمنة الأمريكية فجأة، لكن الشكوك المتراكمة منذ زمن طويل حول القوة الأمريكية وأهدافها قد بلغت ذروتها. لقد غيّرت بالفعل وقائع الحرب الإيرانية والحرب الإسرائيلية على غزة حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها، ولن تُصلح جولة أخرى من القتال أو انتخاب رئيس أمريكي جديد الشرخ.
تنذر السنوات المقبلة بمزيد من الخلافات، فإسرائيل وإيران تتشاركان مصلحة مشتركة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من الفوضى والعنف، ولا تملك الولايات المتحدة سوى القليل لكبح جماح أي منهما، تأمل إسرائيل في توسيع حدودها الفعلية، بما في ذلك ضم أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وفرض سيطرتها بالقوة على مساحات شاسعة من المنطقة. وبافتراض عدم انهيار النظام الإيراني قريباً، وهو أمر مستبعد للغاية، فإن طهران، وقد ازدادت جرأة، ستسعى للدفاع عن نفوذها الإقليمي وتوسيعه عبر جرّ واشنطن إلى صراعات «المنطقة الرمادية»، التي لا تنتهي ولا حدود لها، والتي لطالما ازدهرت فيها، لكن الظروف ليست مثالية، فمعظم قادة المنطقة يتوقون لفترة راحة من الضربات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية، إلا أنهم مستاؤون بشدة من واشنطن لجرّهم إلى هذه الكارثة. لكن التخلي عن سياسة دعم دول المنطقة، وإفلات الحلفاء من العقاب، واحتواء الأعداء عسكرياً، قد تمكّن الولايات المتحدة من التعامل مع المنطقة بطريقة أكثر صحية، طريقة قد تُفضي في نهاية المطاف إلى الاستقرار الدائم، الذي لطالما زعمت واشنطن أنها تسعى إليه.
المقال يستحق العودة له، لمن يرغب.
أحمد الصراف

