: آخر تحديث
زيارة محمد بن سلمان إلى فرنسا | قراءة عبد العزيز المزيني (4 - الأخيرة)

ما بعد زيارة محمد بن سلمان.. نقل التقنية يعيد صياغة الشراكة السعودية الفرنسية

4
5
4

حرصت وسائل الإعلام والطبقة السياسية الفرنسية على الإشارة إلى زيارة الدولة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والإشادة بما تحمله من دلالات في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى فرنسا وأوروبا.

تبحث المؤسسات الصناعية والتقنية والعسكرية الفرنسية عن أسواق وشراكات جديدة، فيما تمضي السعودية في مشروع استراتيجي يقوم على بناء قاعدة صناعية وإنتاجية، والانفتاح على أحدث التقنيات العالمية، مع اشتراط نقل التكنولوجيا وأدوات الابتكار المتقدمة وتوطينها على أراضيها. ومن هنا تبدو مساحة المصالح المشتركة بين البلدين أكثر وضوحاً.

اقتصاد متعب

من يتابع الرأي العام والإعلام والفاعلين السياسيين في فرنسا خلال الأربعين عاماً الماضية يصل إلى نتيجة واضحة: منذ انتخاب الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران في مطلع الثمانينات، اتجهت فرنسا بصورة متزايدة نحو بناء الاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة مع شريكها اللدود ألمانيا، فيما تراجع اهتمام النخب الفرنسية بتنمية وتعظيم العلاقات مع بقية دول العالم الواقعة خارج أوروبا.

ولا يخفى تراجع الدور الفرنسي في مناطق كانت تقع تاريخياً في الفضاء الفرانكفوني، وشكلت مصدراً مهماً لتغذية الاقتصاد ورفاهية المواطن الفرنسي.

ويمكن سوق مثال يتعلق بأكبر شركة نفط فرنسية كانت تُعرف باسم «إلف»، قبل أن تستحوذ عليها لاحقاً شركة «توتال» الشهيرة. كانت «إلف»، ثم وريثتها «توتال»، تعتمد بنسبة تزيد على 85 في المئة من إنتاجها على دول أفريقية، وفي مقدمتها الغابون.

هذه الصورة تشي بتراجع الاقتصاد الفرنسي بعد فقدانه جانباً من أدواته وأذرعه التجارية والدبلوماسية في مناطق خضعت تاريخياً للنفوذ الفرنسي.

أما الظرف الفرنسي الراهن، فيشير إلى أزمة اقتصادية حادة مع تزايد الدين العام، وحاجة فرنسا إلى بناء شراكات خارج محيطها الأوروبي، والخروج من منطقة الرفاه والعودة إلى الجهد الإنتاجي.

وكان التأثير السلبي للحرب في أوكرانيا على دول أوروبا واضحاً، فيما تعمقت الأزمة الاقتصادية الأوروبية بعد قطع إمدادات الغاز والنفط الروسي. وتشير الإحصاءات إلى تعثر عدد غير قليل من الشركات في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا، محركها الهندسي الكبير.

وفرنسا جزء من المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وبالتالي تتأثر بتراجع اقتصادات الدول الأعضاء في هذا النادي.

مشروع سعودي

في المقابل، نجد السعودية فتية وطموحة، وتسعى بكل جهد إلى تحقيق أهداف مشروعها التنموي الإصلاحي الذي أطلقه ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لتحقيق توازن بين اقتصاد ريعي ومجتمع منتج.

ولتحقيق هذه الأهداف، تتجه السعودية إلى عقد شراكات استراتيجية متعددة تغطي القطاعات المستهدفة بالتحول، وصولاً إلى بناء قاعدة صناعية إنتاجية تخضع لمعطيات السوق وشروط الالتحاق بأحدث التقنيات الإلكترونية العالمية.

شيخوخة الاقتصاد الفرنسي تقود أصحاب القرار إلى قراءة المشهد العالمي على أساس «رابح-رابح»، وبناء شراكات متحررة من مفاهيم الهيمنة والنفوذ التي حكمت علاقة القوى الغربية بمناطق واسعة من العالم العربي لأكثر من قرنين.

وهنا تبدو الصيغة المناسبة واضحة للعيان: علاقات متوازنة تخدم الطرفين.

فالمؤسسات الصناعية والتقنية والعسكرية الفرنسية تبحث عن أسواق، فيما يرحب المشروع الاستراتيجي السعودي بإقامة شراكات مشروطة بنقل التكنولوجيا وأدوات الابتكار المتقدمة، بحيث تنتقل إلى الداخل السعودي وتنتج على أراضيه.

أمن المنطقة

لكن الاقتصاد والتقنية لا ينفصلان عن البيئة الأمنية المحيطة بهذه الشراكة.

فعدم الاستقرار الذي أحدثه هجوم أميركا على إيران يثير القلق لدى دوائر القرار في منطقة غرب آسيا، بعدما تسبب بأضرار اقتصادية وأمنية كبيرة، فيما لم يتمكن الشريك الأميركي من حماية أصدقائه الخليجيين.

وفي الوقت نفسه، تقف فرنسا ودول أخرى في أوروبا الغربية عاجزة عن وقف الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، التي تسببت، ولا تزال، في استنزاف الموارد الاستراتيجية.

هذه البيئة تضع العلاقات السعودية الفرنسية أمام حاجة أكثر إلحاحاً إلى بناء شراكات تستطيع الاستمرار في ظروف دولية وإقليمية متقلبة.

وفي الختام، فإن الحاجة الملحة إلى التعاون بين السعودية وفرنسا تُسقط الضغوط التي كان يمارسها اللوبي الغربي، الذي يعارض، بل ويوقف، بعض الصفقات الفرنسية مع دول الإقليم.

فبناء المنظومات التقنية والأمنية والعسكرية يحتاج إلى وقت طويل، وإلى التزام قوي غير قابل للنقض، ولا يخضع لخيارات الحكومات المتعاقبة.


باريس لا تُقرأ من حلقة واحدة

إذا وصلت إلى «ما بعد الزيارة»، فقد بدأت من النهاية. قبلها ثلاثة مفاتيح لفهم الصورة كاملة: لماذا باريس؟ كيف تغيّرت خرائط النفوذ؟ وأين تبدأ القوة الصلبة؟

  • من ملف عبد العزيز المزيني في إيلاف:

زيارة محمد بن سلمان تفتح ملفات التقنية والطاقة بين الرياض وباريس
زيارة ولي العهد تفتح أبواباً جديدة في العلاقة بين الرياض وباريس
من رافال إلى الفضاء.. فرص شراكة دفاعية أوسع بين السعودية وفرنسا

يكتب د. عبدالعزيز المزيني في إيلاف قراءة في زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، وأبعادها السياسية والاقتصادية، وما يمكن أن تضيفه إلى مسار العلاقات السعودية الفرنسية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار