إيلاف من لندن: في السياسة البريطانية، لا يصل أحد عادة إلى الرقم 10 في داونينغ ستريت من دون أن يمر أولاً عبر مطحنة الأسئلة القاسية: مناظرات، مقابلات، خصوم، صحافة شرسة، وبرلمان يعرف كيف يختبر الطامحين إلى السلطة. لكن آندي بورنهام، السياسي المعروف في مانشستر ووستمنستر، يبدو اليوم أقرب إلى رئاسة الوزراء من أي وقت مضى، من دون أن يخضع بعد لاختبار علني كامل يليق بمن يستعد لقيادة بريطانيا.
آندي بورنهام ليس سياسياً مغموراً.
فقليلون هم الذين يمكن أن يقتربوا من مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت وهم يحملون سجلاً عاماً بهذا الطول: وزير في الحكومة، وزير للصحة، وزير للثقافة، مرشح سابق لقيادة حزب العمال، وعمدة لمنطقة مانشستر الكبرى لسنوات.
وبالنسبة إلى سكان مانشستر، كان بورنهام واحداً من أكثر الشخصيات السياسية حضوراً خارج وستمنستر. أما لدى نواب حزب العمال وأعضائه، فهو اسم مألوف، خضعت أفكاره وتحالفاته وتوجهاته للنقاش على مدى سنوات.
لكن ثمة فرقاً بين أن يعرف الناس سياسياً، وبين أن يُخضعوا رئيس وزراء محتملاً للفحص والتدقيق.
وهذا الفرق بات مهماً الآن.
فمع اصطفاف 322 نائباً من حزب العمال خلف ترشح بورنهام لقيادة الحزب، تبدو بريطانيا متجهة نحو واحدة من أسرع عمليات انتقال السلطة في تاريخها السياسي الحديث. ومن الناحية الدستورية، لا غرابة في ذلك. فالبريطانيون لا ينتخبون رئيس الوزراء مباشرة، بل يختار الحزب القادر على حشد أغلبية في مجلس العموم زعيمه، ثم يتولى هذا الزعيم تشكيل الحكومة.
لكن انتخابات قيادة الحزب تؤدي عادة وظيفة أخرى لا تقل أهمية.
إنها تختبر المرشحين.
فهم يواجهون منافسين، ومقابلات صحافية صعبة، وأعضاء الحزب، والنقابات العمالية، وممثلي قطاع الأعمال، والرأي العام. يجيبون عن أسئلة كانوا يفضلون تجنبها، ويكشفون عن أولويات ربما كانوا يرغبون في إبقائها غامضة.
وتتحول المنافسة نفسها إلى امتحان.
عندما سقطت مارغريت تاتشر، برز جون ميجور عبر منافسة داخل حزب المحافظين. وبعد استقالة ديفيد كاميرون، خاضت تيريزا ماي معركة على زعامة الحزب، حتى وإن اختُصرت مرحلتها النهائية. أما بوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك، فقد أمضى كل منهم سنوات في وستمنستر تحت رقابة دقيقة، يواجهون أسئلة قاسية من وسائل الإعلام التي وصفها توني بلير ذات مرة بأنها «وحوش ضارية». كما مروا جميعاً بمنافسات علنية كشفت ليس فقط نقاط قوتهم، بل أيضاً مواطن ضعفهم.
وحتى عندما كانت العملية فوضوية، فإنها كانت تكشف شيئاً.
أما التزكية، فتؤدي وظيفة مختلفة. فهي توفر الوحدة، لكنها لا توفر بالضرورة التدقيق.
إن الدعم الكاسح الذي يحظى به بورنهام داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال يعكس قوة سياسية، لكنه لا يخبر الناخبين كيف ينوي استخدام هذه القوة.
كيف ستبدو وزارة الخزانة في عهده؟ وهل ستواصل السياسة الاقتصادية النهج الحذر الذي اتبعته حكومة ستارمر، أم ستتجه نحو دور أكبر للدولة في الاقتصاد؟ ومن سيتولى وزارة الداخلية في وقت تهيمن فيه قضايا الهجرة والجريمة والثقة العامة على النقاش السياسي؟ وهل ستبقى التزامات بريطانيا الدفاعية على حالها في عالم يزداد خطورة؟
هذه ليست أسئلة نظرية.
ففي الأسبوع المقبل، سيظل السير كير ستارمر يمثل بريطانيا على الساحة الدولية، بما في ذلك في المناقشات مع الحلفاء الأوروبيين بشأن أوكرانيا والأمن. وسيبقى رئيساً للوزراء حتى اللحظة التي يغادر فيها منصبه. لكن اهتمام وستمنستر انتقل بالفعل إلى الرجل المتوقع أن يرث تلك المسؤوليات.
وثمة جانب غير مألوف آخر في الجدول الزمني. فمجلس العموم، الذي يعد عادة الساحة الكبرى لاختبار السياسيين البريطانيين، قد لا يحظى بفرصة كافية للقيام بهذا الدور خلال مرحلة الانتقال.
فقد غاب رئيس الوزراء هذا الأسبوع عن جلسة أسئلة رئيس الوزراء. وعندما سُئل مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت يوم الجمعة عما إذا كان السير كير ستارمر سيعود إلى منصة الحكومة في مجلس العموم الأربعاء المقبل قبل مغادرته المنصب، امتنع المسؤولون عن تأكيد جدول أعماله، واكتفوا بالقول إن تفاصيل ارتباطاته ستُعلن بالطريقة المعتادة.
ولا يوجد في ذلك ما يخالف الأعراف. فرؤساء الوزراء يسافرون، ويتولى نوابهم الرد على الأسئلة، وتستمر الحكومة في أداء أعمالها. لكنه يضيف مزيداً من الطابع غير المألوف إلى مرحلة انتقال يستعد فيها رئيس وزراء للمغادرة، بينما يستعد آخر للوصول، من دون الطقوس المعتادة للفحص العلني.
وإذا لم يعد ستارمر إلى مجلس العموم الأربعاء المقبل، فإن أهل السلطة الرابعة في شرفة الصحافة داخل البرلمان، وكذلك المشاهدين الذين يتابعون الجلسات عبر قناة BBC Parliament، سيكونون قد أمضوا أسبوعين من دون مشاهدة رئيس الوزراء وهو يدافع عن حكومته من منصة المجلس. ومع اقتراب العطلة الصيفية للبرلمان، قد يصل شاغل الرقم 10 الجديد في داونينغ ستريت قبل أن تتاح للبرلمان فرصة كاملة أخرى لاختبار رئيس الوزراء المنتهية ولايته.
إن السمة اللافتة في هذه المرحلة الانتقالية هي أن رئيس الوزراء المقبل قد يدخل مقر رئاسة الحكومة قبل أن يخضع للاستجواب التقليدي الذي يرافق عادة السعي إلى هذا المنصب.

آندي بورنهام يتحدث إلى الصحافة بعد اجتماع مع رؤساء بلديات أقاليم إنكليزية خارج مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت رقم 10 في لندن، 9 تموز (يوليو) 2024
لقد ألقى بورنهام خطابات، وشرح أنصاره ما يعتقدون أنه يمثله. لكن الخطابات تتيح للسياسيين اختيار الأسئلة التي يريدون الإجابة عنها، بينما تفرض عليهم المقابلات والمناظرات القيادية الإجابة عن أسئلة يطرحها الآخرون.
فالمقابلة المطولة مع صحافي سياسي بارز، أو المناظرة على زعامة الحزب، أو جلسة على غرار برنامج Question Time أمام جمهور، تؤدي وظيفة مختلفة. فهي تكشف رد فعل رئيس الوزراء المحتمل عندما يكون السؤال المطروح هو السؤال الذي لم يكن يرغب في الإجابة عنه.
وخلال الأيام الأخيرة، جرى جانب كبير من النقاش العام حول حكومة محتملة بقيادة بورنهام عبر أنصاره وحلفائه، أكثر مما جرى من خلال إخضاعه شخصياً لاستجواب مطول. فالمؤيدون يستطيعون شرح أسباب جاذبية السياسي، لكنهم لا يستطيعون تحديد طبيعة حكومته.
وقدمت مقابلته مع إذاعة LBC بعض المؤشرات إلى طريقة تفكيره، بما في ذلك التزامه بالإطار العام لبرنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024. لكن مقابلة واحدة ليست بديلاً عن الاختبار المطول الذي يخضع له عادة المرشح المتجه إلى داونينغ ستريت.
فعادة ما يُختبر رئيس الوزراء المرتقب ليس فقط أمام جماهير مؤيدة أو حلفاء سياسيين، بل أيضاً عبر الأسئلة المحرجة: مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC، أو استجواب على قناة Sky News، أو مقابلات مع المحررين السياسيين في الصحف، والأسئلة المصممة لكشف التناقضات بين الطموح والواقع.
وعليه، فإن السؤال ليس: من هو آندي بورنهام؟
فبريطانيا تعرف ذلك بالفعل.
أما السؤال الحقيقي فهو:
أيُّ آندي بورنهام سيدخل من باب مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت رقم 10؟


