: آخر تحديث

«خواكين»... عندما يُصبح الراقص هو الرقصة

3
3
2

شاهدت عرضاً لراقص الفلامنكو العالمي خواكين كورتيز، ولم تبهرني الكوريغرافيا بقدر ما أبهرتني لحظة اقترب فيها خطّان: الراقص والرقصة، حتى تلامسا ثم اختفى الخط الفاصل بينهما، وصارا للحظة خطّاً واحداً. لم يعد كورتيز يؤدي الفلامنكو؛ صار هو الفلامنكو، ولم تعد قدماه تضربان الأرض لتصنعا الإيقاع، بل بدا كأن الأرض هي التي تضرب من خلال قدميه.

شاهدته وهو أكثر شباباً في رويال ألبرت هول في لندن منذ أكثر من 12 عاماً، وها أنا أشاهده للمرة الثانية في مدريد وأتحدّث إليه.

في جلسة جمعتني به وزوجته بعد العرض، تحدّثا عن رحلة المعاناة التي سبقت كل هذا النجاح. حكى خواكين عن بداياته المبكرة، وعن انتقاله بين عوالم الرقص المختلفة، من الفلامنكو إلى الباليه. لكن ما بقي في ذهني لم يكن تاريخ الفرق التي رقص معها، بل جملة قالتها زوجته. قالت إنهم كانوا، في مرحلة من بداياته، يحذفون وجهه من بعض صور إعلانات الفرقة. وحين سأل عن السبب، قيل له إن وجهه «ليس جذاباً بما يكفي». وهذه صورة مخففة لما سمعه.

تخيّل أن يقال لشاب في الخامسة عشرة إن وجهه قبيح؟

ربما لهذا، وأنا أشاهده يرقص بعد كل هذه السنوات، لم أرَ رجلاً يرقص فقط؛ رأيت جسداً يرد على حكم قديم. كأن كل ضربة قدم على الأرض تقول لذلك الشاب: أنا هنا. وجهي هنا. جسدي هنا. ولن يستطيع أحد بعد اليوم أن يحذفني من الصورة.

قال لي خواكين إن الرقص، ولغة الجسد عموماً، هما اللغة العالمية التي تسبق الكلمات؛ فالإنسان يستطيع أن يفهم حركة الجسد قبل أن يعرف لغة صاحبه، ثم تحدث عن شيء بدا لي أكثر أهمية: الطاقة. قال إن طاقة الراقص لا تبقى محبوسة في جسده، بل تنتقل منه إلى الجمهور، وعندما يحدث هذا الانتقال تولد الجاذبية والدهشة معاً. عندها لا يعود الجمهور متفرجاً على الرقصة من الخارج، بل يدخل فيها ويُصبح جزءاً من دائرتها.

وأراني، بفخر واضح، مقطع فيديو لحركات له قال إنها كانت مصدر إلهام لمايكل جاكسون. لم يكن فخره، كما فهمته، فخر رجل يريد أن يثبت أسبقية حركة أو تقنية، بل فخر مَن يعرف أن لغة جسده عبرت الحدود، ودخلت جسد فنان آخر، ثم عادت إلى العالم في صورة جديدة.

وهنا تذكّرت راقص الفلامنكو العجوز في رواية «رسول». يقول لسلمى إن أمها كانت تأتي إليه أيام الشباب، وكانت تقول: عندما نكبر وتتألم أرجلنا، سنحوّل ما يبدو عرجاً ووهناً إلى ضربات بالأقدام على الأرض، ليظل الجرح مفتوحاً؛ فمن الجرح يدخل المعنى.

هذه، في ظني، فلسفة الفلامنكو تحت الفلامنكو.

فالـduende ليس جمال الحركة، ولا كمال الجسد، بل تلك اللحظة التي يعبر فيها الجرح من الجسد إلى الفن. والـcompás ليس مجرد ميزان موسيقي، وإنما محاولة لترتيب الزمن داخل جسد يعرف أن الزمن سيهزمه في النهاية. أما ضرب الأرض بالقدم فليس إيقاعاً فقط، بل إعلان وجود: أنا هنا.

ولهذا يقول العجوز في «رسول»: «كانت أمك تضرب بقدمها لإثبات صك الملكية، وكنا نحن نضرب بأقدامنا لتنطق الأرض أسماءنا».

الغجري الذي لا يملك صكّاً يُطالب الأرض بالإيقاع. والمهمش الذي أرادوا حذفه من الصورة يعود فيجعل الصورة كلها تدور حوله.

وربما كانت المفارقة الأجمل في قصة خواكين كورتيز أن الشاب الذي قيل له يوماً إن وجهه لا يصلح للصورة، انتهى إلى رجل لم تعد الصورة قادرة على احتوائه.

وأنا أشاهده، فهمت أن أقصى درجات الفن ليست أن تتقن الحركة، بل أن تختفي المسافة بينك وبينها.

عندها يصبح الراقص هو الرقصة، والرقصة طاقة، والطاقة ذاكرة، تظلُّ الذاكرة جرحاً مفتوحاً يدخل منه المعنى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد