: آخر تحديث

حين ترسم الزيارات ملامح الاقتصاد

3
3
1

في زيارة سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا هذا الأسبوع، تابعت أخبار اللقاءات والاتفاقيات والشراكات الاقتصادية بين البلدين. وكعادة مثل هذه الزيارات، تتصدر الأرقام والعقود عناوين الأخبار، لكن ما شدني هذه المرة كان الصورة التي تجمعها هذه التفاصيل معًا.

فالبيان السعودي الفرنسي لم يتحدث عن الاستثمار في اتجاه واحد، بل أكد تعزيز الاستثمارات المتبادلة، والتعاون بين المؤسسات المالية والتمويلية، إلى جانب مجالات تمتد من الطاقة والصناعة والنقل والخدمات اللوجستية إلى الصحة والسياحة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. كما بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 11.8 مليار دولار في 2025، وأُعلن خلال الزيارة عن أكثر من 22 اتفاقية ومذكرة تفاهم تفتح مجالات إضافية للتعاون والاستثمار المشترك.

لفتتني تحديدًا عبارة «الاستثمارات المتبادلة».. لأنها، في رأيي، تختصر مرحلة أكثر نضجًا في الحضور الاقتصادي السعودي عالميًا. فالمملكة التي عملت خلال السنوات الماضية على رفع جاذبيتها للاستثمارات والشركات العالمية، أصبحت في الوقت نفسه توسع حضور شركاتها واستثماراتها خارج حدودها.

وخير مثال ظهر في الزيارة نفسها. فالجانبان رحبا بطموح شركة القدية للاستثمار لتطوير وجهة كبرى متعددة الاستخدامات في منطقة إيل دو فرانس، باستثمار يقدر بنحو 6 مليارات يورو على امتداد دورة التطوير. نحن هنا أمام شركة سعودية نشأت في قلب مشروعات رؤية 2030، وتبحث اليوم عن امتداد لنموذجها واستثماراتها في سوق عالمي.

وهذا يجعلني أعود إلى الزيارة الرسمية السابقة لسمو ولي العهد إلى الولايات المتحدة، وما شهدته من شراكات واسعة في قطاعات استراتيجية. ففي حديثه خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي، وضع ولي العهد العلاقة الاقتصادية في إطار أوسع يقوم على النمو الاقتصادي والتنويع والابتكار.

وهذه الكلمات الثلاث مهمة؛ لأنها تجعلنا نقرأ الزيارات الاقتصادية باعتبارها جزءًا من مسار طويل الأجل، لا أحداثًا منفصلة.

فالاقتصاد السعودي اليوم لا يبحث فقط عن رأس المال. هناك حاجة إلى التقنية، والمعرفة، والوصول إلى الأسواق، والشراكات الصناعية والمالية، وربط الشركات السعودية بسلاسل القيمة العالمية. وفي المقابل، يقدم اقتصاد المملكة للشركاء الدوليين سوقًا كبيرة وفرص نمو وقطاعات جديدة وموقعًا يصل بين أسواق متعددة.

وهنا تتحول العلاقة من فرصة استثمارية إلى مصلحة اقتصادية مشتركة.

وهذا تحديدًا ما يجعل زيارة فرنسا الحالية لافتة اقتصاديًا. فإلى جانب الاستثمارات المتبادلة، اتفق البلدان على تعزيز التعاون بين المؤسسات المالية وجهات التأمين والتمويل، وإنشاء إطار مالي مخصص لدعم المشروعات التي تنفذها الشركات الفرنسية في المملكة. وفي الوقت نفسه، تتحرك شركة سعودية مثل القدية باتجاه استثمار كبير في فرنسا.

رأس مال وخبرة وتقنية تأتي إلى المملكة، وشركات وقدرات سعودية تتجه إلى الخارج.

ليست المسألة إذن «من يستثمر عند من؟»، بل كيف تصبح مصالح الاقتصادين أكثر ارتباطًا ببعضها.

وعندما نضع ذلك إلى جانب ما يحدث داخل المملكة، تصبح الصورة أوضح.

فاستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026–2030، التي أقرها مجلس إدارة الصندوق برئاسة ولي العهد، تصف المرحلة الجديدة بأنها تطور طبيعي من مرحلة النمو والتوسع إلى تحقيق القيمة المستدامة، مع تعظيم العوائد، ورفع كفاءة الاستثمارات، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وجذب الشركاء والمستثمرين الدوليين. كما تؤكد الاستراتيجية استمرار الصندوق كمستثمر محلي وعالمي وبناء شراكات استراتيجية تتيح استقطاب المزيد من الاستثمارات والفرص الدولية.

وهنا أرى نقطة مهمة في قراءة المرحلة المقبلة من رؤية 2030.

خلال السنوات الماضية، بُنيت داخل المملكة قطاعات جديدة وشركات وطنية ومنظومات استثمارية لم تكن موجودة بهذا الحجم من قبل. ومع نضج بعضها، تصبح الخطوة الطبيعية ألا تبقى هذه القدرات محصورة داخل السوق المحلية، بل أن تبدأ في المنافسة والتوسع عالميًا، وفي الوقت نفسه تجذب معها شركاء عالميين إلى المملكة.

وهذه دائرة اقتصادية مختلفة تمامًا.

فالشركة السعودية التي تستثمر في الخارج لا تبحث عن العائد المالي فقط؛ قد تكتسب سوقًا جديدة، أو معرفة، أو شريكًا، أو علامة عالمية. والشركة الأجنبية التي تستثمر في المملكة لا تدخل سوقًا محلية فقط، بل قد تجد فيها قاعدة للنمو في المنطقة. وكلما تشابكت هذه المصالح، أصبحت العلاقة الاقتصادية بين الدول أعمق وأكثر استدامة.

ربما لهذا يجب أن ننظر إلى الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها أحد الأصول التي تمتلكها الدول.

فالعلاقات السياسية القوية تستطيع أن تفتح أمام الاقتصاد أبوابًا يصعب فتحها بالأدوات التجارية وحدها، ثم يأتي دور الشركات والمستثمرين والمؤسسات لتحويل هذه العلاقات إلى استثمارات وأسواق وتقنية وفرص مشتركة.

وهذا ما يجعلني أقرأ زيارة فرنسا الحالية ضمن صورة أكبر.

قبل سنوات كان أحد أهم الأسئلة هو: كيف نجعل العالم يستثمر في السعودية؟

واليوم، من دون أن يفقد هذا السؤال أهميته، أضيف إليه سؤالًا آخر:

كيف نجعل الاقتصاد السعودي نفسه أكثر حضورًا في العالم؟

القدية في فرنسا مثال، والشراكات الدولية مثال آخر، واستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة الجديدة تؤكد أن بناء الشركات الوطنية القادرة على المنافسة عالميًا واستقطاب الشركاء الدوليين جزء من المرحلة المقبلة.

وهنا يصبح للزيارات الرسمية بُعد اقتصادي يتجاوز اللحظة التي نشاهدها في الأخبار.

فحين تجلس القيادة السعودية مع قادة أكبر الاقتصادات والشركات والمؤسسات المالية في العالم، لا يجري فقط توسيع العلاقات القائمة؛ بل تُفتح مسارات جديدة أمام رأس المال والتقنية والشركات السعودية والعالمية للتحرك في الاتجاهين.

وهكذا تُرسم المكانة الاقتصادية للدول: اقتصاد قوي في الداخل، وشركات قادرة على الخروج، وشركاء عالميون يجدون في نموه مصلحة لهم أيضًا.

وربما هذا هو ما تستحق أن نقرأه خلف أخبار باريس هذا الأسبوع: السعودية لا تفتح أبواب اقتصادها للعالم فحسب.. بل تفتح للاقتصاد السعودي أبواب العالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد