: آخر تحديث

الشيخ علي حسين الحسيني... ذاكرةٌ كويتية بين القرآن والأدب

3
1
3

عبدالعزيز التميمي

هناك شخصيات تمرّ في حياة الإنسان، فلا تبقى مجرد أسماء في الذاكرة، بل تتحول إلى صفحات حيّة من الزمن الجميل. ومن هذه الشخصيات التي عرفتُها عن قرب، وعشتُ معها أياماً من الجيرة والمودة والصداقة، الأستاذ الشيخ علي حسين الحسيني، رحمه الله.

عرفه كثير من أهل الكويت قارئاً للقرآن الكريم، ومؤذناً متميزاً، وأستاذاً للغة العربية، وصاحب صوت جميل ومعرفة بالتجويد والمقامات. كما ارتبط اسمه بجيل من رواد الحياة الثقافية والدينية في الكويت، وكان له حضور في المناسبات الدينية والاحتفالات بالمولد النبوي الشريف.

أما أنا، فقد عرفته معرفة الجار والصديق قبل كل شيء.

كان جاراً قريباً مني، وجمعتنا جلسات كثيرة، امتدت فيها أحاديثنا إلى القرآن والأدب والشعر والذكريات. ولم تكن مجالسه مجالس عابرة، بل كانت تحمل روحاً خاصة؛ روح ذلك الزمن الكويتي الجميل الذي كان فيه الجار صديقاً، وكانت المعرفة جسراً بين الناس.

وكان للشيخ علي، رغم فقده البصر، عالم واسع من الثقافة والمعرفة. وقد أتيح لي في جلسات كثيرة أن أقرأ له من كتب التراث والأدب، ولم تكن كتباً مخصصة للمكفوفين، بل كنت أقرأ له مباشرة، فينصت ويتابع ويعلق، وكأن الكتب تتفتح أمامه بذاكرته الواسعة وذائقته الأدبية.

ومن أجمل ما أذكره من تلك الجلسات قراءتنا في كتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، ذلك الكتاب الذي يفتح أمام قارئه أبواب الفكر والأدب والحوار. كما قرأنا من «كليلة ودمنة»، واستمتعنا بحكمه وقصصه ورموزه، وتوقفنا كذلك عند بعض شعر الفارس العربي عنترة بن شداد.

وهنا رأيت في الشيخ علي وجهاً آخر قد لا يعرفه كثير ممن عرفوه من خلال القرآن والأذان فقط؛ فقد كان صاحب ذائقة أدبية، يستمتع بالكلمة الجميلة، ويتذوق الشعر، ويحب الحوار والكتب.

ومن الذكريات التي لا أنساها جلسات السمر التي كانت تجمعنا مع الأستاذ الفنان التشكيلي الكويتي أيوب حسين، ومع الشيخ أبو ناظم الحسيني، ابن عم الشيخ علي. وكانت جلسات مليئة بالمرح والأدب والذكريات.

وأذكر أننا كنا نجتمع أحياناً حول لعبة شعبية من ألعاب الورق تعرف باسم «كوت أبو ستة». وكانت للشيخ علي والشيخ أبي ناظم، وهما من المكفوفين، طريقة خاصة تمكّنهما من المشاركة في اللعبة، إذ كانت أوراق اللعب مميزة بطريقة برايل عند أطرافها. وكنا نعيش تلك اللحظات ببساطة ومحبة، لا فرق فيها بين مبصر وكفيف؛ فالجميع أصدقاء، والجميع شركاء في السمر والضحك.

كانت هذه الجلسات تعلمني، من غير أن يقول الشيخ علي درساً مباشراً، أن الإنسان لا يُقاس بما يفقده، بل بما يملكه من عقل وروح وعلم وإرادة.

لقد كان الشيخ علي حسين الحسيني، رحمه الله، بالنسبة إليّ أكثر من شخصية عامة عرفتها الكويت. كان إنسانا قريباً، وجاراً كريماً، وصديقاً من زمن جميل، حمل معه روح المعرفة والمحبة.

وحين أتذكره اليوم، أتذكر صوتاً يرتل القرآن، وأتذكر مؤذناً يرفع النداء إلى الصلاة، وأتذكر معلماً وأديباً محباً للكتاب، وأتذكر كذلك جلسات السمر التي جمعتنا في ليالٍ كويتية جميلة.

لقد رحل الشيخ علي حسين الحسيني، رحمه الله، ولكن بعض الناس لا يرحلون تماماً؛ يبقون في الكتب التي قرأناها معهم، وفي الأحاديث التي سمعناها منهم، وفي الضحكات التي تقاسمناها، وفي الذكريات التي تصبح مع مرور الزمن جزءاً من تاريخنا الشخصي.

رحم الله الشيخ علي حسين الحسيني، وأبقى ذكراه طيبة في قلوب من عرفوه وأحبوه، وجعل ما قدمه من علم وتعليم وخدمة للقرآن الكريم في ميزان حسناته وأسكنه فسيح جنانه...

اللهم آمين


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد