إيلاف من لندن: أعاد تجدد الهجمات الأميركية على إيران القلق إلى الحياة اليومية للإيرانيين، بعد فترة قصيرة من الهدوء النسبي تحت مظلة وقف هش لإطلاق النار. ومع اتساع المواجهة، بات الخوف من الضربة المقبلة يسير جنباً إلى جنب مع ضغوط المعيشة وانهيار قيمة العملة وتعثر الأعمال.
وفي تقرير نشرته وكالة «رويترز» وأعدّته الصحافية نيلو تبريزي، تحدث إيرانيون من طهران وسنندج ومهاباد عن واقع تضيق فيه القدرة على العمل والسفر والتخطيط، فيما طلب جميعهم عدم الكشف عن أسمائهم كاملة خشية تعرضهم لملاحقة السلطات. وتكشف شهاداتهم كيف انتقلت الحرب من المجال العسكري إلى تفاصيل البيت وسلة الغذاء ومستقبل العائلة.
سلة الحرب
في طهران، اختارت سمية، وهي مصورة فوتوغرافية تبلغ 40 عاماً، أن تختصر الأزمة بصورة لمشترياتها الأسبوعية. وقالت لرويترز إن أسعار المواد التي اشترتها أصبحت تقارب ضعف مستوياتها قبل الحرب.
لا تتوقف معاناتها عند ارتفاع الأسعار. فالانتقال المتكرر بين التصعيد والهدوء بدد الإحساس بالاستقرار، وجعل التفكير في المستقبل القريب عبئاً إضافياً. وتقول سمية إن الإيرانيين لم يعودوا يعرفون ما إذا كانوا سيستيقظون على يوم حرب أم يوم سلام، حتى إن التخطيط ليومين مقبلين أصبح أمراً بالغ الصعوبة.
وتنسجم شهادتها مع صورة اقتصادية أشد اتساعاً. ففي أبريل (نيسان)، بلغ الريال مستوى قياسياً متدنياً عند نحو 1.81 مليون ريال مقابل الدولار، بحسب وكالة «إيسنا» الإيرانية. وأظهرت بيانات نقلتها رويترز عن المصرف المركزي الإيراني أن التضخم السنوي وصل إلى 65.8 في المئة خلال الشهر الإيراني الممتد من 20 مارس (آذار) إلى 20 أبريل. رويترز
وأدى تراجع العملة إلى ارتفاع كلفة السلع وتقليص قدرة الأسر على الادخار، كما جعل السفر إلى الخارج أو متابعة الدراسة فيه حلماً بعيداً لكثيرين. أما الحرب، فأضافت إلى أزمة الأسعار أضراراً في المنشآت الصناعية والطاقة والنقل، وتعطيلاً للأعمال وخسارة وظائف ومصادر دخل.
أعمال معلقة
في سنندج، كان أمير، وهو مهندس برمجيات يبلغ 30 عاماً، قد تزوج قبل وقت قصير من بدء الحرب عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير (شباط). لكن تأسيس حياته الجديدة تزامن مع انقطاع الإنترنت وتعثر عمله عن بُعد وتراكم الديون عليه.
وكانت السلطات الإيرانية قد قطعت خدمة الإنترنت خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني). وبعد نحو شهر من عودتها، اندلعت الحرب وانقطعت الخدمة مجدداً، ما أصاب الشركات المعتمدة على الاتصال بالشبكة بأضرار واسعة.
بالنسبة إلى أمير، لم يكن الإنترنت وسيلة اتصال يمكن الاستغناء عنها، بل مكان عمله ومصدر رزقه. وعندما انقطعت الخدمة، فقد قدرته على العمل في مدينة لا تتيح له بدائل مهنية كثيرة. ولم يعثر على وظيفة جديدة إلا قبل أيام من تجدد التصعيد.
وتشير تقارير رويترز إلى صعوبة تقديم صورة إحصائية شاملة عن الخسائر الاقتصادية، في ظل غياب بيانات حكومية موثوقة منذ بدء الحرب والقيود المفروضة على التغطية من داخل إيران. إلا أن إفادات أصحاب الأعمال والمحللين ترسم مشهداً يتكرر فيه إغلاق المصانع، وخفض الوظائف، وتعطل سلاسل الإنتاج، وارتفاع الأسعار.
وفي أبريل، قال سكان مدن إيرانية للوكالة إن بعض الأسعار ارتفعت بنحو 40 في المئة منذ بدء الحرب، فيما امتنع كثيرون عن شراء أي شيء لا يدخل في نطاق الضروريات. وقدّر باحثون أن ملايين الإيرانيين تعرضوا لخسارة وظائف أو انخفاض دخل أو إغلاق أعمالهم، مع صعوبة تثبيت رقم دقيق في ظل نقص البيانات.
هجرة مؤجلة
دفعت الأزمة بعض الإيرانيين إلى التفكير في المغادرة، لكنها في الوقت نفسه سلبتهم القدرة المالية على تنفيذ القرار.
نازانين، وهي معالجة نفسية تبلغ 34 عاماً وتعيش في سنندج، كانت تأمل في السفر لمتابعة دراسة الدكتوراه في علم النفس. إلا أن انهيار قيمة الريال جعل تكاليف الانتقال والإقامة خارج البلاد تتجاوز قدرتها.
ورغم أنها قد تتمكن من قضاء فترة قصيرة في تركيا، فإن ذلك لا يقدم لها طريقاً فعلياً إلى الهجرة. كما أن ابتعادها عن عائلتها خلال جولات سابقة من الهجمات جعلها تعيد النظر في فكرة الرحيل نفسها.
كانت تخشى أن تتعرض لغارة وهي بعيدة عن أسرتها، لكنها كانت تخشى أيضاً أن يصيب مكروه أفراد عائلتها في غيابها، فتجد نفسها وحيدة مع حزن لا تستطيع احتماله. وهكذا تحولت الهجرة، في نظرها، من احتمال للنجاة إلى مخاطرة عاطفية أخرى تفرضها الحرب.
أما سمية، التي كانت تخطط بدورها لمغادرة إيران قبل أن تبدد أزمة العملة خطتها، فتقول إنها لم تعد ترغب في الرحيل حتى لو امتلكت القدرة على ذلك. فحياتها وبيتها وعائلتها جميعاً في إيران، وأي مغادرة مؤقتة لن تعفيها من العودة إلى الواقع نفسه.
غضب كامن
في مهاباد، يقرأ هيوا الأزمة من زاوية مختلفة. فهو لا يريد مغادرة إيران، لكنه يرى أن استمرار الحرب والتضخم يمكن أن يدفعا الضغوط الاقتصادية إلى الشارع، ويطلقا موجة جديدة من الاضطرابات الاجتماعية.
وهذا الاحتمال حاضر بقوة لدى السلطات الإيرانية منذ احتجاجات يناير التي انطلقت أساساً على خلفية المصاعب الاقتصادية، قبل أن تتسع إلى مطالب سياسية مناهضة للنظام.
ونقلت رويترز في يناير عن جماعات معارضة ومسؤول إيراني أن أكثر من ألفي شخص قُتلوا خلال قمع الاحتجاجات، فيما تعذر التحقق بصورة مستقلة من الحصيلة الكاملة. ومنذ ذلك الحين، كثفت السلطات الاعتقالات والإعدامات وانتشار قوات الأمن في الشوارع، في محاولة لمنع تجدد الاضطرابات.
كما ربطت تقارير لاحقة تشديد القبضة الأمنية بمخاوف رسمية من انفجار الغضب الشعبي تحت وطأة تدهور الاقتصاد، خصوصاً مع اتساع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية ومصادر الدخل وفرص العمل.
سقف أخير
على الرغم من الديون والبطالة وانقطاع الإنترنت والخوف من القصف، لا يرى أمير في مغادرة إيران حلاً مضموناً. فقد عانى الأرق لأشهر عندما تعذر عليه الاتصال بوالده الموجود في كردستان العراق، لكنه لا يزال يفضل البقاء في بلاده.
ويستعيد أمير في تفسير موقفه ذاكرة عائلية تعود إلى الحرب الإيرانية-العراقية بين عامي 1980 و1988. فقد كانت والدته تروي أن جده لم يكن يخشى الموت بقدر ما كان يتمسك بأن يبقى مع عائلته تحت سقف بيتهم.
ويختصر ذلك الموقف مأزق كثير من الإيرانيين: البقاء يعني مواجهة القصف والفقر والرقابة، لكن الرحيل يفتح أبواباً أخرى من المجهول. فهم لا يعرفون ما إذا كانت الحدود ستظل مفتوحة، أو إن كانت دول أخرى ستسمح لهم بالدخول، أو ما إذا كانوا سيجدون أنفسهم أمام مصير لجوء طويل كالذي عاشه ملايين السوريين.
وفيما تتوسع المواجهة لتشمل البنية التحتية داخل إيران والمنطقة، تتقلص الخيارات أمام المدنيين. فالضربات الأميركية الأخيرة طالت جسوراً ومنشآت للنقل، بينما ردت طهران بهجمات على دول خليجية تستضيف قواعد أميركية، في تصعيد أعاد الحرب إلى مسار مفتوح يصعب توقع حدوده.
وبين حرب تتسع واقتصاد ينهار، لا يبدو الإيرانيون أمام اختيار واضح بين البقاء والمغادرة، بل أمام صورتين مختلفتين للخوف: خطر يلاحقهم داخل وطنهم، ومصير مجهول ينتظرهم خارجه.


