: آخر تحديث

"التشريع لأمر"

3
3
3

يُشكّل مبدأ عمومية وتجرّد القاعدة القانونية الحجر الأساس الذي يرتكز عليه النظام القانوني، والضمانة الأولى لتكريس دولة الحق والمساواة التي نصّت عليها مقدمة الدستور والفقرة (ج) منها. ومع ذلك، ينحدر الواقع التشريعي في لبنان بعيدًا عن هذا المبدأ إلى حدّ الإطاحة به كأصل عام، عبر استثناءات تتقاسمها القوى الحاكمة، وصولاً إلى انحرافات تشريعية خطيرة تُعرف بـ"التشريع لأمر" أو القوانين المفصّلة على قياس أفراد محدّدين.الأصل الدستوري لهذ المبدأ معروف لأهل القانون ومن النصوص الأساسية المادة 7 من الدستور التي تعتبر أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية وتحمل الواجبات والوظائف العامة دون ما فرق بينهم". وتطبيقًا لذلك، يجب أن تصاغ القوانين اللبنانية بصفة مجردة (أي لا تخاطب شخصًا باسمه) وتُطبّق بصفة عامة (على كل من تتوفر فيه الشروط القانونية).صحيح أن لكل قاعدة استثناء ويتضمن التشريع اللبناني استثناءات عديدة ولكنها لا تعتبر دستورية إلّا بقدر استهدافها المصلحة العامة كما استقر اجتهاد القضاء الدستوري والإداري على القول.تزايد الابتعاد التشريعي عن هذا المبدأ وتكاثر عبر "التشريع لأمر" (La législation pour ordre) كما يُصطلح على تسميته قانونيًا وفقهيًا. المشترع سلطته الدستورية لإقرار قوانين عامة في مظهرها، ولكنها مُفصّلة ومصممة بالكامل على قياس وتوقيت أشخاص أو قيادات معروفة ومحددة، لخدمة مآرب سياسية أو شخصية، تحت غطاء العمل التشريعي.ويتخذ "التشريع لأمر" في التجربة اللبنانية مظاهر بارزة تشكل طعنًا مباشرًا في فلسفة القانون: تعديل سن التقاعد أو تمديد المهل، إصدار تشريعات استثنائية لتمديد سن تقاعد قادة أمنيين أو عسكريين أو قضاة محددين بأسمائهم في سدة المسؤولية، للحيلولة دون فراغ أو لتصفية حسابات سياسية، عوضًا عن وضع خطة هيكلية شاملة للمرفق العام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد