ليلى أمين السيف
حين نتأمل التجربة الإسكندنافية ولا سيما السويد ندرك أن سر نهضتها لا يكمن في الثروات الطبيعية وحدها ولا في التكنولوجيا فحسب بل في استثمار طويل الأمد يبدأ منذ اللحظة الأولى لولادة الإنسان. فالدولة هناك لا تنتظر حتى يصبح الطفل بالغاً ليكون عنصراً منتجاً وإنما تبدأ برعايته منذ أن يفتح عينيه على الحياة واضعة نصب أعينها أن كل طفل هو مشروع مواطن وكل مواطن هو مستقبل وطن.
منذ لحظة ميلاده لا يقتصر دور الدولة على تسجيل الطفل في السجلات الرسمية بل تبدأ رحلة متابعة تهدف إلى الاطمئنان على مسار نموه الجسدي والعقلي والنفسي. وتُجرى له فحوصات دورية لمراقبة تطوره في مختلف الجوانب والسعي إلى اكتشاف أي مؤشرات مبكرة قد تستدعي تدخلاً طبياً أو تأهيلياً.
وعند ظهور أي بوادر تستدعي الاهتمام لا يُترك الطفل أو أسرته يواجهان الأمر وحدهما بل تبدأ رحلة من التقييم المبكر والدعم والعلاج والتأهيل لأن التدخل في السنوات الأولى يمنح الطفل أفضل فرصة للنمو والتطور.
ولا يقتصر الاهتمام على الجانب الطبي بل يمتد إلى دعم الأسرة نفسها إذ تقدم الدولة مخصصاً مالياً شهرياً للطفل منذ ولادته ويستمر الدعم بأشكال مختلفة مع تقدمه في العمر سواء من خلال إعانات الطفولة أو المنح الدراسية أو برامج دعم الطلاب بما يساعد الأسرة ثم الشاب-الشابة- لاحقاً على مواصلة التعليم وبناء المستقبل.
كما تعمل المنظومة الصحية والمدرسة والخدمات الاجتماعية كلٌّ ضمن اختصاصه على مساندة الوالدين وتقديم الإرشاد والدعم عند الحاجة بما يحقق مصلحة الطفل ويهيئ له بيئة صحية وآمنة للنمو. وبطبيعة الحال لا تخلو أي منظومة بشرية من الأخطاء أو من اختلافات في تفسير الأنظمة وقد تنشأ بعض الإشكالات نتيجة عدم الإلمام بالقوانين خاصة لدى القادمين الجدد إلا أن الفلسفة العامة لهذه المنظومة تقوم على الوقاية والدعم المبكر وتمكين الأسرة قبل أن تتفاقم المشكلات.
ولا تقف رعاية الأسرة عند حدود المتابعة الصحية بل تمتد إلى منح الوالدين الوقت الكافي ليكونا إلى جانب طفلهما في أكثر مراحل حياته احتياجا. ولهذا تُعد منظومة إجازات الوالدين في السويد من أكثر الأنظمة سخاء في العالم؛ إذ يحق للوالدين تقاسم 480 يوما من الإجازة المدفوعة عن كل طفل تُصرف معظمها وفق دخل الوالد/ة بينما تُدفع الأيام المتبقية بمبلغ ثابت تحدده الدولة. ويمكن البدء في استخدام جزء من هذه الإجازة قبل موعد الولادة كما يخصص القانون أياماً لا يمكن التنازل عنها لكل من الأب والأم تشجيعاً لمشاركة الوالدين معاً في رعاية الطفل منذ أيامه الأولى.
ولا تنتهي الحقوق عند هذا الحد فلكل من الوالدين أيضاً الحق في التغيب عن العمل عند مرض الطفل مع الحصول على تعويض مالي وفق الضوابط المقررة كما تتيح القوانين إمكانية تخفيض ساعات العمل خلال السنوات الأولى من عمر الطفل للتوفيق بين الحياة الأسرية والعملية. إن الفكرة الجوهرية هنا ليست منح إجازة من العمل فحسب وإنما منح الطفل وقتا مع والديه لأن هذا الوقت يُعد جزءا من تنشئته ونموه بقدر أهمية الرعاية الصحية والتعليم. وحين يخطو الطفل أولى خطواته خارج نطاق الأسرة لا تنقطع خيوط الرعاية التي أحاطت به منذ ولادته بل تنتقل إلى مرحلة جديدة تتكامل فيها جهود الأسرة مع المؤسسة التعليمية، فعندما يدخل الطفل الروضة لا يجد مكانا للحراسة فحسب بل بيئة تربوية متكاملة. يحصل على وجبات غذائية متوازنة تشمل الفطور والوجبات الخفيفة والغداء أعدها مختصون في التغذية لتلبي احتياجاته في مرحلة النمو. فالطفل الذي يتغذى جيدا يكون أكثر قدرة على التركيز والتعلم والتفاعل ولذلك لا يُنظر إلى الطعام على أنه خدمة إضافية بل على أنه جزء من العملية التعليمية.
ومع انتقاله إلى المدرسة يستمر هذا النهج؛ إذ يحصل جميع التلاميذ على غداء مدرسي مجاني ومغذ يوميا دون تمييز بين غني وفقير. والغاية ليست إطعام المحتاجين وإنما ضمان أن يبدأ جميع الأطفال يومهم الدراسي وهم متساوون في أبسط مقومات التعلم: الصحة والتغذية.
ولا يتوقف إعداد الإنسان عند مقاعد الدراسة بل يمتد إلى تهيئته للحياة العملية منذ سنواته الأولى. ولهذا تحرص كثير من البلديات على توفير فرص عمل وتدريب صيفية مدفوعة الأجر لطلاب المدارس الثانوية وأحيانا لمن هم في المراحل الدراسية التي تسبقها ليخوضوا أولى تجاربهم في سوق العمل ضمن بيئة آمنة ومنظمة. ويتعلم الشاب من خلالها قيمة الوقت والالتزام واحترام أنظمة العمل والاعتماد على النفس وإدارة الدخل الأول. كما أن من لا يتجاوز دخله السنوي الحد الذي يقرره القانون يُعفى من ضريبة الدخل بما يسمح له بالاستفادة الكاملة تقريبا من أجره في بداية حياته العملية.
وإلى جانب ذلك تستثمر البلديات بصورة مستمرة في الأندية الرياضية والمكتبات العامة ومدارس الموسيقى والفنون والمخيمات والبرامج الصيفية إدراكا منها أن بناء الإنسان لا يتحقق بالتعليم وحده بل يحتاج أيضا إلى الثقافة والرياضة والعمل وتنمية الشخصية حتى يدخل مرحلة الرشد وهو أكثر ثقة بنفسه وأقدر على تحمل المسؤولية والمشاركة في خدمة مجتمعه.
ولا تنتهي رحلة الاستثمار في الإنسان عند التعليم الإلزامي بل تمتد إلى الجامعات حيث توفر السويد تعليما جامعيا مجانيا في الجامعات الحكومية للمواطنين والفئات المستحقة إلى جانب منحٍ طلابية ودعم مالي يساعد الشباب على مواصلة تعليمهم دون أن تكون الظروف الاقتصادية حاجزا أمام أحلامهم. فالمجتمع ينظر إلى الطالب بوصفه استثمارا في المستقبل وليس عبئا على الميزانية.
هذه الفلسفة ليست حكرا على السويد وحدها بل تشترك فيها بدرجات متفاوتة بقية الدول الإسكندنافية التي أدركت أن بناء الإنسان لا يبدأ عند أول وظيفة بل عند أول نبضة قلب وأن كل ما يُنفق على الطفل من صحة ورعاية وتعليم وتغذية سيعود على المجتمع أضعافا في صورة مواطن قادر على الإنتاج والإبداع وتحمل المسؤولية.
ومع تقدم الإنسان في العمر لا تنتهي رحلة الرعاية بل تتخذ شكلا جديدا يحفظ له كرامته واستقلاله. فالفلسفة المتبعة في السويد تقوم على تمكين كبار السن من البقاء في منازلهم أطول فترة ممكنة ما دام ذلك آمنا وممكنا. ولهذا توفر البلديات خدمات الرعاية المنزلية حيث يزورهم طاقم مختص لمساعدتهم في شؤون الحياة اليومية كإعداد الطعام والتنظيف والتسوق والعناية بالنظافة الشخصية وتناول الأدوية والمرافقة إلى المواعيد الطبية عند الحاجة بما يتيح لهم الاستمرار في حياتهم داخل بيئتهم التي اعتادوها.
وعندما تصبح احتياجات المسن أكبر من أن تلبيها الرعاية المنزلية تتوفر أشكال مختلفة من السكن المخصص لكبار السن تتدرج بحسب مستوى الحاجة فمنها مساكن مهيأة لكبار السن الذين ما زالوا يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية ومنها دور رعاية متخصصة تقدم رعاية صحية وتمريضية على مدار الساعة لمن يعانون من أمراض مزمنة أو الخرف أو إعاقات تستدعي متابعة مستمرة. ولا يقتصر الاهتمام على الرعاية الطبية بل يشمل أيضا الأنشطة الاجتماعية والثقافية والترفيهية ومكافحة العزلة والمحافظة على كرامة الإنسان ونوعية حياته حتى آخر العمر.
وفي هذه المرحلة أيضا يضمن نظام التقاعد للمسن دخلا يساعده على العيش بكرامة إلى جانب خدمات الرعاية والدعم التي تختلف باختلاف احتياجاته وظروفه. وهكذا تكتمل دائرة الاستثمار في الإنسان؛ فلا ينتهي اهتمام المجتمع به عند سنوات عطائه بل يستمر وهو في أمسّ الحاجة إلى الرعاية وفاءً لمسيرة حياة أسهم خلالها في بناء وطنه وخدمة مجتمعه.
وفي النهاية قد تختلف الآراء حول السياسات وقد تُنتقد بعض القرارات وقد تقع أخطاء في التطبيق وهذا أمر لا يخلو منه أي نظام بشري.
لكن ما يصعب إنكاره هو أن الاستثمار في الإنسان منذ ولادته وحتى دخوله معترك الحياة كان أحد أهم الأسباب التي صنعت قوة هذه المجتمعات واستقرارها. فالطفل الذي يحظى بالصحة والتعليم، والغذاء والرعاية والفرصة العادلة لا يكبر وحده؛ بل يكبر معه وطن بأكمله.
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد

