: آخر تحديث

طب يدار بالفواتير

3
3
3

في ردهات المستشفيات، حيث تتقاطع الآلام، لا يرى المريض في ملفه الطبي سوى "بوابة أمل" نحو التعافي، بينما تقبع خلفه صراعات إدارية لا تدرك أن كل تأخير في قرار، أو تعنت في إجراء، هو تقصير في حق المريض.

نحن اليوم أمام أزمة ثقة تحولت بين أطراف العملية العلاجية، حيث يقف المريض مغلوباً على أمره، يتحمل تبعات صراع أزلي بين شركات التأمين ومقدمي الخدمة، وكأن صحته أصبحت ضريبة يدفعها هذا التجاذب، حيث تنظر شركات التأمين إلى قرارات الأطباء بعين الريبة، متوجسة، ربما تكون الخطط العلاجية وسيلة لتعظيم الأرباح وتضخيم الفواتير، مما يدفعها لتبني سياسات رفض كدرع إداري، وفي المقابل، لا يمكن إغفال واقع أن بعض مقدمي الخدمة يمارسون مبالغات في المتطلبات، حيث يتحول المريض في نظرهم أحياناً من "إنسان يرتجى الشفاء" إلى "صفقة تجارية" تقتضي تعظيم العوائد، متجاهلين الأسس العلمية الرصينة للرعاية الطبية.

وبدوري تواصلت مع هيئة التخصصات الصحية السعودية التي أفادت أنها تسجل الممارسين وتمنحهم عضويات ولا تصدر لهم تراخيص مزاولة المهنة، حيث إن ترخيص مزاولة المهنة يصدر من وزارة الصحة، وأضافت أن عضوية هيئة التخصصات الصحية متاحة لجميع الأطباء العاملين في شركات التأمين ولا يوجد ما يمنع ذلك.

تلك الفجوة العميقة لا يمكن ردمها بالاتهامات المتبادلة أو بتشديد القيود الإدارية، فلقد كانت هناك مبادرة عملية تستحق التأمل، تقترح إخضاع أطباء شركات التأمين لترخيص "هيئة التخصصات الصحية"، لضمان الكفاءة والحياد؛ بحيث يكون الرفض أو القبول مستنداً إلى منطق طبي سريري رصين، لا إلى تقديرات محاسبية عشوائية.

إن هذا المقترح بقدر ما هو إجراء تنظيمي، إلا أنه "مصلحة عامة" تبدأ بحفظ حق المريض، وتمر بتعزيز مصداقية المستشفيات، وتصل إلى استقرار أداء شركات التأمين، ومع ذلك لا يزال هذا التوجه ينتظر استجابة تعي أبعاده الاستراتيجية.

ومع ذلك، يبقى الإنصاف واجباً؛ فالتأمين الصحي -بكل ما يعتريه من تحديات وعثرات– يظل خياراً أفضل بكثير من العودة إلى أزمنة الانتظار الطويلة في المستشفيات الحكومية أو وطأة تكاليف "الكاش" الباهظة في القطاع الخاص التي قد تنهك كاهل الأسرة. إن الوضع الراهن، رغم كل مساوئه، هو محطة في طريق طويل لبناء نظام فعال.

إن الحوكمة ميثاق أخلاقي، ولن يستقيم حال التأمين إلا حين ندرك جميعاً أن "الفاتورة" مهما بلغت أرقامها، لن تعادل قيمة لحظة واحدة يعود فيها المريض معافى إلى منزله، إننا بحاجة إلى ثورة في الضمائر تسبق ثورة التنظيم، لنكف عن مقايضة حياة الناس في أسواق الربح والخسارة، ونعيد للمهنة الطبية وهجها الإنساني الذي لا يقبل المساومة، فالمريض ليس مجرد رقم في سجل، إنما هو أمانة تستوجب التقدير قبل التبرير.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد