تجاوزت الثمانين، فقررت الاختلاء لبضعة أيام. ذهبت إلى «الشاليه»، وجلست في مقعدي المفضل، وسرحت بنظري وأفكاري، وفي مياه البحر الزرقاء، وأشعة شمس الغروب المنعكسة بلطف على وجه الماء، وبدأت، بغير وعي، أستعرض شريط ذكرياتي طفلاً، وصبياً ومراهقاً وشاباً، وموظفاً وناضجاً، حتى لحظة الوصول لمحطة منتصف العمر، والدخول المتسارع في الكهولة، وكل ما تضمنته تلك المراحل من سعادة وزعل، وضحك، وبكاء، وأمنيات وأفكار وتقلبات وتغيُّرات، وزواج وإنجاب، وفرح بالأحفاد، وكم هائل آخر من الأحداث، بخلاف شهور الغزو والاحتلال، وما سبقها من الهجرة لأمريكا، ثم النكوص عنها، والهجرة لبريطانيا، التي لم تتطل لأكثر من بضع سنوات، لنعود للوطن، وقبل أيام فقط من اجتياح أوباش صدام له، وكنت شاهداً على عبث رجاله، الذين كان يسميهم بـ«الأشاوس»، وفسادهم وتخريبهم، وسعيهم الحثيث، وبأوامر عليا غالباً، لجعل الكويت خرابا، بعد أن فشل قائد الأمة والزعيم الضرورة في أن يجعل ايا من مناطق وطنه تشبه الكويت!
* * *
فوجئت بكم التعليقات، وصدق ما ورد بها، وكان أحدها من الشاعر «حمود البغيلي» الذي أرسل الأبيات التالية:
إذا مال مالت جميع القلوبِ وألهب ما في القلوب الهوى
كأن القرون على السيدين ظلامٌ سرى
فوق بدر ضوى تباهي العذارى بحسن الجمال ويطرب شعرٌ عليها انطوى
تعذرت منها فقلت الزمان يذيبُ الحديد إذا ما التوى
فقد كنت يوما قوي الذراع أعالج في الصبر طول النوى
ودار الزمانُ على كاهلي وصرت كذئب براه الطوى
كبيرٌ تذكر روحَ الشباب فلما أحس بعجز عوى
أراد النهوضَ فخارت قواه فلما تمكن منها ذوى
وداعا لعمرٍ طواه الضياعُ وداعا لمن كان عندي الدوا
وداعا لنور يضيءُ الحياة فلما غزاه الظلام انزوى
وداعا لمن كان روحَ الجمالِ ففر من الجمع لما اكتوى
وداعا لمن كان يغوي الفراقَ فلما رماه الحنينُ غوى
فكم من رفيق مضى وانقضى وكم من صديق هوى وثوى.
* * *
وتلبية لرغبة غالبية هؤلاء أعود لأضيف شيئا لذلك المقال، الذي لمس مشاعر معينة في قلوبهم ونفوسهم.
مع التقدم في العمر، أصبحت أقل عجلة من أمري، مع أن المنطق يقول ان علي مضاعفة ما أقوم به في ما تبقى لي من عمر، وجعل السنة سنتين أو ثلاثا، لكني اكتشفت أن ما تبقى لي من عمر يستحق أن يتم الاستمتاع بكل لحظة منه، وهذا لا يمكن أن يتحقق بالعجلة، فاللقمة الغنية التي تعبت، أو تعبوا في تحضيرها، تستحق أن أقضي وقتا أطول في مضغها والاستمتاع بطعمها. والرواية تستحق التمعن في سطورها، وما بين سطورها، وإعادة قراءة الفقرات الجميلة فيها، وأن أطيل النظر للوردة الجميلة، والصبية الفاتنة، واللوحة الخالدة، والشجرة العصية على الموت، والتمتع، ببطئ أكثر، بحضور ورفقة والحديث مع من أحب. وأن أقطع المسافات، داخل وخارج الوطن، لرؤية حفيد او صديق، اكتشفت أنني أصبحت قليل الاهتمام بالمظاهر، وحتى بما كنت أعتقد أنه عيب. فعندما تفرض البروستاتا أوامرها، هنا تسقط الحدود، وتتوارى الأصول، ويتوقف الاكتراث بما سيقوله الآخرون، فإن فعلت ما يشتهونه ويرغبون به، فلن أحصل منهم، مقابل ذلك على شيء، فلمَ علي إذا مراعاة «رقيق مشاعرهم» على حساب صحتي؟
تخليت عن أشياء كثيرة، لكني أرفض التخلى عما كان ولا يزال يميزني عن غيري، حتى لو كان أمرا غير مقبول، فلن أتوقف عن السخرية، غير الجارحة، أو الصراحة في القول، فلا وقت تبقى لدي لأن أجامل من لا يود أن يفهم، ومن يعتقد أن عقائده هي الأولى، وأفكاره هي الأصح، ومواقفه هي الأولى بالاتباع!
كما لا أود التخلي عن شقاوتي، فلا زلت أزور والدتي، طريحة الفراش، العاجزة عن الكلام، وأتراقص أمامها، وأرى أساريرها تنفرج عن ابتسامة وقورة، وتضع يدها بحنان على يدي وتربت عليها بأصابعها، التي فقدت كل قوتها، مع الزمن.
لن أنتظر الموت عابسا، طالما الشمس ستشرق بوجودي وغيابي، وسيكون هناك في المساء قمر في السماء، يتغنى الأحبَّة بجماله، وبهاء نوره.
وسأتبع مقول الممثلة الأمريكية الرائعة «ميريل ستريب»: «أبداً لن أسمح لأحد بإزالة تجاعيد جبيني؛ فهي نتيجة دهشتي أمام جمال الحياة». ولا أقبل بإزالة التجاعيد المحيطة بفمي؛ لأنها تظهر كم ضحكت وكم قبّلت أحبَّة.
مهما حدث لن أستسلم، وسأُبقي مخيلتي حية، وأحارب الملل بالقيام بما أحب، ولقاء من أحب، وأن أمارس نزواتي الصغيرة، ما حييت، لأبقي قلبي في عز خفقانه.. ولو كانت الأخيرة منها.
أحمد الصراف

