: آخر تحديث

الإفلاس متواصل عالمياً

2
2
2

تتواصل موجة الإفلاسات التجارية العالمية للسنة الخامسة على التوالي، وقد بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق، مسجِّلةً زيادةً بنسبة 24 في المائة مقارنةً بمتوسط ما قبل الجائحة. وتشير البيانات إلى تصاعد الظاهرة، خصوصاً في آسيا وأوروبا الغربية. أما الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، فتسجّلان زيادة بنسبة 8 في المائة و10 في المائة على التوالي هذا العام في حالات الإفلاس، وهما اللتان تقودان معظم الارتفاع العالمي.

هذا ما أورده تقرير لشركة «أليانز ترايد» الائتمانية، منبهاً إلى أن ألمانيا قد تشهد 2500 حالة إفلاس إضافية، والولايات المتحدة 2100 حالة، وقفزات كبيرة في إيطاليا تصل إلى 38 في المائة وسويسرا 26 في المائة.

الخبر الصادم آتٍ من اليابان، البلد ذو الفائض التجاري والاحتياطي الكبيرين. في طوكيو، أغلقت أكثر من خمسة آلاف شركة صغيرة ومتوسطة، خلال النصف الأول من العام الماضي، وهو أعلى رقم تسجّله اليابان منذ 12 سنة. اليابان، بانهياراتها، ليست استثناءً بل حلقة من مسلسل عالمي بفصول متعددة، زادته الحرب بين أميركا وإيران، وتعثر إمدادات الطاقة، إثارة وغموضاً، ومخاطر أيضاً.

لم تعد الشركات تموت لعجز في الإدارة أو سوء تقدير، بل لتوالي الصدمات المفاجئة. فمرة ترتفع الفائدة، ثم من دون مقدمات تزيد تكاليف الشحن، ويتباطأ الطلب، ثم تندلع حرب لم تكن في الحسبان، فتنقلب الأحوال. الترابط الكوني الذي وُعدنا به نعمة، جعل الشركات، حتى المتواضعة، أكثر هشاشة من أي وقت مضى، ولقمة العيش مهددة حين يندلع نزاع ولو على بُعد آلاف الأميال.

خريطة المتأثرين بالإفلاس متباينة. الصين تتصدر اللائحة، تليها أميركا ثم اليابان. وفرنسا من الدول الأكثر تعرّضاً، حسب تقرير «كوفاس»، بينما ألمانيا وهولندا تشهدان ارتفاعاً أخف لكنه مستمر. أما بلجيكا فسجّلت رقماً قياسياً في عدد حالات الإفلاس عام 2024، مدفوعة بارتفاع حاد في قطاعي البناء والنقل. بريطانيا مرشّحة لتجاوز مستويات ما قبل الجائحة بشكل «دراماتيكي» وفق تحذيرات محللين محليين. أما الأكثر تضرراً فالتجزئة والمطاعم، خصوصاً المشاريع العائلية، يليها العقار التجاري، والنقل واللوجستيات المرتبطة مباشرة باضطراب سلاسل التوريد والشحن والطاقة؛ وقطاع الطاقة؛ وصولاً إلى قطاعات ناشئة في أميركا تحديداً مثل الرعاية الصحية والتعليم العالي؛ إضافة إلى التمويل غير المصرفي الذي بات مصدر قلق بحد ذاته لأنه يحمل مخاطر متراكمة خارج رقابة المصارف التقليدية. ما يجعل هذه الأزمة نزيفاً بطيئاً في عمود الاقتصادات المحلية أكثر منها انهياراً مدوّياً.

الإفلاس ظاهرة قديمة وصحية، لأنها تجدد السوق، وتخرج الضعفاء لصالح الأقوى والأكثر قدرة على التحمل، لكن الجديد هو أن الإفلاس باتت نسبته تتصاعد، سنة بعد أخرى، وبقعته الجغرافية تتسع، وكأنه يقاوم كل إجراء. مما يشي بخلل بنيوي قد يكون عميقاً، وعصياً على الإصلاح.

هي موجة عالمية متزامنة، ومتواصلة، رغم غياب ركود رسمي، وخارج رقابة الأنظمة المصرفية التقليدية، مما يعني أن صحة المصارف لا تدل على أن السوق معافاة. وما يعيشه ياباني في أوساكا قد يؤثر على لبناني في جرود أقصى الشمال. فخلال عقد واحد طرأ تحول جذري على طبيعة الاقتصاد العالمي، بعد أن أصبح متشابكاً إلى حدٍ يجعله عرضة لإصابات بليغة، عند أي اضطراب ولو كان بعيداً جغرافياً.

نحن لسنا أمام أزمة محلية هنا أو هناك، بل نظام اقتصادي كوني مترابط لدرجة أن اهتزازاً في مضيق أو صعود فائدة في بنك مركزي واحد يصل صداه خلال أشهر إلى محل بقالة في مدينة يابانية صغيرة أو مطعم عائلي في الضواحي الفرنسية.

حتى الشركات الكبرى التي اعتبرت تقليدياً أكثر مناعة تتهاوى بالمئات. كل 20 ساعة ثمة شركة تعلن إفلاسها، مما يعني في لعبة الدومينو، أن أخرى صغيرة ستهوي على الأثر.

الاقتصاد العالمي بأسره على مفترق طرق خطر. الإفلاسات تطال دولاً هي أقطاب في التجارة والصناعة العالميتين كما دول صغيرة وفقيرة. وهي بلدان مختلفة عن بعضها في الأنظمة السياسية والاقتصادية، والظروف الاجتماعية، لكن يجمعها تكلفة اقتراض لم تعد رخيصة، وتضخم متواصل، وسلاسل توريد مهتزة، وارتفاع في أسواق الطاقة، وتكلفة شحن عالية.

لم تعد الحروب أو أحداث ضخمة مجلجلة سبباً مباشراً للإفقار والانهيار، بل أزمات صغيرة متوالية تحدث اهتزازات وزلازل بترددات خفيفة لكن طويلة ومتواصلة، تجعل الأزمات الحياتية تتقدم من جيوب الناس بصمت، وتتسلل إلى وجباتهم اليومية، وحياتهم الحميمة. الإفلاسات الجماعية باتت صامتة، يشعر بها المواطن، من كثرة العاطلين عن العمل، وصعوبة العثور على وظيفة جديدة، أو من رؤية المحلات التجارية مغلقة بالجملة ومعروضة للبيع أو الإيجار.

وهو مشهد بات مألوفاً أينما يممت وجهك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد