لم يعد أمن الخليج العربي قضية تخص دوله وحدها، بل أصبح ركيزة من ركائز الاستقرار العالمي، فمن هذه المنطقة تمر أهم ممرات الطاقة والتجارة الدولية، وعلى استقرارها تتوازن أسواق النفط والاقتصاد العالمي، ولهذا فإن أي محاولة لزعزعة أمن الخليج لا تنعكس على المنطقة فحسب، بل تمتد آثارها إلى العالم بأسره.
وعلى مدى عقود، ارتبط اسم إيران بسياسات أثارت كثيرًا من التوتر في المنطقة، سواء من خلال دعم جماعات مسلحة خارج حدودها، أو التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول، أو استخدام أوراق الضغط العسكرية والسياسية في أوقات الأزمات، وهي ممارسات لم تؤدِّ إلا إلى زيادة حالة عدم الاستقرار، وإطالة أمد النزاعات، وتعطيل فرص التنمية التي تستحقها شعوب المنطقة.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن لا يُبنى بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا بتغذية الصراعات بالوكالة، وإنما يُبنى باحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، وتغليب لغة الحوار على منطق القوة. فكلما ارتفعت وتيرة التصعيد، ارتفعت معها كلفة الأمن، وتراجعت فرص الاستثمار، وتأثرت حركة التجارة الدولية، وهو ما يجعل الجميع خاسرًا.
وفي المقابل، قدمت المملكة نموذجًا مختلفًا يقوم على تعزيز الأمن الإقليمي عبر الحوار والدبلوماسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جاهزية دفاعية تحمي أمنها ومصالحها، فقد تبنت المملكة سياسة متوازنة تجمع بين مد اليد للسلام، والوقوف بحزم أمام أي تهديد يستهدف أمنها أو أمن دول الخليج، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاستقرار هو المدخل الحقيقي للتنمية والازدهار.
دول مجلس التعاون الخليجي أثبتت أنها تمتلك من الوعي السياسي والقدرات الدفاعية والشراكات الدولية ما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات، دون أن تنجر إلى دوائر التصعيد غير المحسوب. كما أن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكًا بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن العالمي، وأن أي تهديد للملاحة البحرية أو منشآت الطاقة ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة.
ولا يمكن لأي مشروع تنموي أو اقتصادي في الشرق الأوسط أن ينجح في ظل بيئة يسودها التوتر وعدم الاستقرار، فالشعوب تتطلع إلى فرص العمل، والتعليم، والابتكار، والتكامل الاقتصادي، لا إلى مزيد من النزاعات التي تستنزف الموارد وتؤخر المستقبل.
المنطقة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنتصر لغة التعاون والاحترام المتبادل، فتتجه دولها نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، وإما أن تستمر سياسات التصعيد التي أثبتت السنوات الماضية أنها لا تحقق مكاسب دائمة، بل تنتج مزيدًا من الأزمات.
ويبقى أمن الخليج خطًا أحمر، ليس لأنه يمثل مصالح دوله فقط، بل لأنه يمثل مصلحة عالمية مشتركة، ومسؤولية جماعية تستوجب احترام سيادة الدول، ورفض كل ما من شأنه تهديد استقرار المنطقة أو تعريض شعوبها لمزيد من المخاطر.

