عبدالعزيز الكندري
لا تُقاس مكانة بعض القادة بعدد سنوات حكمهم، بل بحجم التحول الذي أحدثوه في أوطانهم، وبالأثر الذي يتركونه في حاضر شعوبهم ومستقبلها. ومن هذا الصنف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي ارتبط اسمه بأكبر نقلة شهدتها دولة قطر في تاريخها الحديث، حتى أصبح الحديث عن مسيرة الدولة المعاصرة ينقسم إلى مرحلة ما قبل عهده وما بعده. فقد امتلك رؤية تجاوزت حدود إدارة الدولة إلى بناء مشروع تنموي متكامل، جعل من قطر دولة ذات حضور اقتصادي وسياسي ودبلوماسي مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.
كما عُرف الأمير الوالد بمواقفه الداعمة للقضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي حظيت باهتمامه ودعمه السياسي والإنساني، انطلاقاً من إيمانه بدور قطر في نصرة القضايا العادلة وتعزيز العمل العربي والإسلامي المشترك.
وبعد عودته إلى قطر من كلية سانت هيرست، انضم إلى القوات المسلحة، وتدرج في عدد من المناصب العسكرية، ثم عُيّن ولياً للعهد عام 1977، وتولى مسؤوليات متعددة في إدارة الدولة، اكتسب خلالها خبرة واسعة في إدارة المؤسسات، وأسهم في بلورة رؤى لتطوير الدولة واستثمار مواردها بما يخدم مستقبلها.
وفي عام 1995 تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مقاليد الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ قطر، اتسمت بإطلاق مشاريع إصلاحية وتنموية واسعة هدفت إلى بناء دولة حديثة تقوم على تنويع الاقتصاد، وتعزيز كفاءة المؤسسات، والانفتاح على العالم.
ولعل أبرز ما ميّز تجربته إدراكه أن الثروة الطبيعية لا تصنع نهضة بمفردها، وإنما تصنعها الرؤية التي تحسن استثمارها. ومن هذا المنطلق قاد إستراتيجية طموحة لتطوير قطاع الغاز الطبيعي، لا سيما حقل الشمال، فنجحت قطر في أن تصبح واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، وتحولت عوائد هذه الثروة إلى مشاريع تنموية واستثمارات إستراتيجية انعكست على جودة الحياة والبنية التحتية والاقتصاد الوطني.
ولم تقتصر رؤيته على التنمية الاقتصادية، بل آمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان. لذلك شهد عهده إنشاء المدينة التعليمية، واستقطاب نخبة من الجامعات العالمية، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، بما أسهم في إعداد أجيال قادرة على قيادة التنمية، وجعل التعليم أحد أهم مرتكزات بناء الدولة الحديثة.
وعلى الصعيد الخارجي، انتهج سياسة دبلوماسية نشطة عززت حضور قطر في مختلف المحافل الدولية، وأسهمت في جهود الوساطة لحل عدد من النزاعات الإقليمية، ورسخت مكانتها شريكاً فاعلاً في القضايا الدولية، إلى جانب توسيع حضورها الاقتصادي والاستثماري حول العالم.
كما شهد عهده تأسيس شبكة الجزيرة الإعلامية، التي أصبحت إحدى أبرز المؤسسات الإعلامية العالمية، وأسهمت في تعزيز الحضور الإعلامي لدولة قطر. وخلال تلك المرحلة أيضاً، نجحت قطر في الفوز بحق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، وهو إنجاز تاريخي عكس الثقة الدولية بقدرات الدولة، ودفع إلى تنفيذ مشاريع تنموية وبنية تحتية متطورة، رسخت مكانة قطر على خريطة الرياضة العالمية.
وفي عام 2013، أعلن الأمير الوالد نقل السلطة طوعاً إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة استثنائية على مستوى المنطقة، عكست إيمانه بأهمية تجديد القيادة، وضمان استمرارية المشروع التنموي، وقد لاقت هذه الخطوة تقديراً واسعاً بوصفها نموذجاً للانتقال السلس والمنظم للسلطة.
وارتبط اسم الشيخ حمد، في الذاكرة الشعبية بلقب «دفّان الفقر»، وهو لقب يعكس ما شهدته قطر من تحولات اقتصادية واجتماعية، ارتبطت بتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتعزيز منظومة الخدمات، ورفع جودة الحياة.
لقد ترك الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إرثاً يتجاوز الإنجازات المادية؛ فقد أسس نموذجاً تنموياً يقوم على الرؤية، والاستثمار في الإنسان، وبناء المؤسسات، وتعزيز مكانة الدولة في محيطها الإقليمي والدولي. وستبقى بصماته حاضرة في مسيرة قطر، ليس لأن المشاريع ما زالت قائمة فحسب، بل لأن الرؤى الكبرى لا ترحل برحيل أصحابها، وإنما تستمر في المؤسسات التي بنوها، وفي الأجيال التي أعدّوها، وفي الأوطان التي غيّروا مسارها.

