: آخر تحديث

عزيزي الخالد «ويليس»

4
4
4

قريباً سنحتفل، والعالم، بمرور 150 عاماً على مولدك. بالرغم من أننا لم نلتقِ يوماً، فإنك كنت معي، يومياً تقريباً، منذ عام 1956، سنة معرفتي الجميلة بك، واستمرت منذ قرابة 70 عاماً، ستبقى ما حييت، خصوصاً في أشهر الصيف الحارة، وليالي الشتاء الباردة.

أتذكر جيداً بداياتك كطفل هادئ وذكي، كنت تقول لنا إن اسمك سيخلّد يوماً، وكنا نسخر منك، والمؤدب بيننا كان يكتفي بالابتسام. فلا شيء في معيشتك وأسرتك المتواضعة، في مزرعة نائية في ولاية نيويورك، كان ينبئ بذلك.

أصبحت شاباً، وكنت أكثرنا ذكاء ووسامة، وعانيت معك من صعوبات فهم الرياضيات، لكنك تغلّبت عليها، وتركتني مع مصاعبي معها. نلت تالياً شهادتك في الهندسة الميكانيكية من جامعة كورنيل، عام 1901، ولم أحقق حلمي في التخرج منها، كما رغب والدي.

سعدنا بالتحاقك، عام 1902، بشركة بافلو الهندسية، وتغيّر الحال بك يوم تلقّت الشركة طلباً من مطبعة في مدينة نيويورك، تطلب مساعدتها في التخلّص من الرطوبة، والحرارة العالية داخل المطبعة، التي كانت تؤدي إلى تمدد أو انكماش الورق بشكل غير منتظم أثناء الطباعة، وجعلها رديئة وضبابية الألوان.

كلفتك الشركة، لحسن حظنا جميعاً، بحل الإشكال، ولم يكن هدفك يوماً اختراع ما يجعل حياتنا أفضل، بل فقط التركيز على طريقة لخفض الرطوبة داخل المطبعة، وهذا قادك إلى فكرة تصميم جهاز يقوم بتمرير الهواء حول أنابيب مبردة، وتكثيف الرطوبة الزائدة وتساقطها (بمبدأ تكوّن الندى نفسه)، ثم إعادة تسخين الهواء أو ضبط درجته وفق الحاجة، لم ينتج عن ذلك هواء بارد فقط، بل القدرة على التحكّم أيضاً بمستوى الرطوبة، وهو ما يُعتبر أول نظام حديث لتكييف الهواء يجمع بين الوظيفتين.

قمت عام 1911، وبتشجيع من صديقنا «جاك»، بنشر معادلتك الشهيرة Rational Psychrometric Formulae، التي وضعت الأسس العلمية لصناعة تكييف الهواء بأكملها، وأتذكّر جيداً قرارك عام 1915، وفي تعارض مع آرائنا، بالدخول في مغامرة كبيرة عبر تأسيس شركة برأسمال 32600 دولار، أو عشرة آلاف دينار، لصناعة التبريد، وكانت تلك بداية عملاق التكييف «شركة كارير الهندسية»، التي قامت، بعدها بعامين، بتركيب «مكيفات ويليس كارير» في مراكز تجارية في ديترويت، فتدفق الناس إليها في الصيف، وبدأ عصر التكييف المركزي، والتحوّل الكبير في حياة البشر. فمن خلاله أصبح الجنوب الأمريكي مركزاً اقتصادياً ضخماً، ولم يكن ذلك ممكناً، لقلة من كانوا على استعداد للعيش في تلك المنطقة الحارة والشديدة الرطوبة، كما أصبحت المستشفيات قادرة على إجراء عمليات دقيقة في بيئة معقمة ومضبوطة، وبفضل التكييف أصبح بالإمكان تطوير الكثير من الصناعات الحساسة والدقيقة. ولولا التكييف لكان من المستحيل بناء ناطحات السحاب، أو الطائرات الحديثة، أو قطارات السفر السريعة، ومختلف المحركات العسكرية، وكبسولات ارتياد الفضاء، والغواصات وآلاف الاستخدامات الأخرى.

شكراً يا صديقي، فقد جعلت حياتنا في الكويت، على بعد آلاف الأميال منك، سهلة بفضل اختراعك العبقري، الذي كان في جزء كبير منه سبباً في متعة الحياة وإطالة أرواح البشر.

عندما حان موعد وفاتك، عام 1950، عن 73 عاماً، كان صيتك قد بلغ كل أصقاع الأرض الباردة والحارة، على السواء، وتركت وراءك إرثاً لا ينسى، وشركة تبلغ اليوم قيمتها أكثر من 73 مليار دولار، وواحدة من كبرى شركات التكييف في العالم. ولم يكن غريباً قيام مجلة TIME بوضعك ضمن أكثر 100 شخصية مؤثرة في القرن العشرين.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد