: آخر تحديث

إيران تنتحر

4
4
4

متى تدرك طهران أن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على نشر الفتن وتفضيل الحسابات الأيديولوجية على المصالح الوطنية والاستمرار في نهج إشعال بؤر التوتر، وأن المقياس الحقيقي في عصر التنمية المتسارع هو القدرة على بناء نهضة شاملة واقتصاد متين، وإقامة علاقات دبلوماسية متوازنة مع محيطها والتوقف عن الانحدار نحو مزيد من العزلة والاستنزاف. حتى لا تصبح أكبر خصم لنفسها، فليست الهزائم كلها تُفرض من الخارج، فبعض الدول تختار سياسة الاستنزاف الذاتي. وهذا المشهد ينطبق على إيران اليوم، والنتيجة أزمات متراكمة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية بسبب اتباع استراتيجيات عدوانية اعتمدت على تصدير النفوذ والصراعات الإقليمية أكثر من التركيز على التنمية الداخلية وبناء الاقتصاد.

رهان خاسر على مدى عقود، قاد طهران إلى عداوات خرجت منها محملة بأعباء اقتصادية وسياسية باهظة. فهل تتراجع إيران عن سياساتها الخاطئة، وتتخلى عن استراتيجية توسيع النفوذ عبر شبكة من الأذرعة والجماعات الإرهابية، وتدرك أن هذا النهج لن يوفر لها عمقًا استراتيجيًا، ولن يحمي أمنها القومي، بل يسهم في تعميق عزلتها الدولية، فضلاً عن تعرضها لعقوبات اقتصادية انعكست على معيشة المواطن الإيراني، إضافة إلى تزايد الضغوط الداخلية مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة، بينما يترقب الشعب الإيراني تحسين أوضاعه المعيشية وتوجيه موارد الدولة إلى التنمية عوضًا عن الانخراط في صراعات خارجية؟ ومع كل أزمة، تتسع الفجوة بين طموحات السياسة الخارجية ومتطلبات الاستقرار الداخلي.

ولا يغفل الساسة الإيرانيون أن هناك أطماعًا تدفع المتربصين في الغرب إلى تغذية الصراعات في المنطقة. ولا يرضيهم ما يشهده الشرق الأوسط من أمن واستقرار وتحولات تنموية واقتصادية. لذلك لا مفر من أن تتكتل دول المنطقة أمام المستعمرين الجدد لكبح جماحهم، ولا مفر من مواكبة هذا التحول، وتفويت الفرصة على الغزاة، لذلك، كل من يغرد خارج السرب سيجد نفسه على هامش خريطة المستقبل.

وإنَّ أخطر ما تواجهه طهران ليس خصومها، بل إصرارها على السياسات التي أنتجت أزماتها. فحين تتجاهل الدولة كلفة خياراتها، وتواصل السير في طريق أثبت فشله، فإنها لا تهزم الآخرين بقدر ما تستنزف نفسها. وما لم تُراجع أولوياتها، وتمنح شعبها والتنمية الداخلية المكانة التي تستحقها، فإنها بتلك السياسة تُقدم على الانتحار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف