خالد بن حمد المالك
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقّع أن يفضي الاتفاق الذي تم بين طهران وواشنطن إلى شيء، وأنه مُعرَّض للانتكاسة المبكرة، وأنه سيكون رهينة إلى حين، فالثقة بين أمريكا وإيران في أسوأ مراحلها منذ قيام ثورة الخميني عام 1979م وإلى الآن.
* *
لهذا لم يكن مستغرباً أن يفشل أول اجتماع عُقد لوضع خارطة طريق لتطبيق هذا الاتفاق الذي نصَّ على إيقاف الحرب لمدة ستين يوماً، وقد تمتد إلى أيام أخرى، بغية تنفيذ البنود التي وجدت القبول من الطرفين بوساطة باكستانية قطرية.
* *
وقد كان كل طرف ينتظر من الطرف الآخر أن يخترق هذا الاتفاق ليكون مُبرِّره لتمزيق ما تم الاتفاق عليه، واستئناف القتال، وتحميل المسؤولية للآخر، وهو ما وجدته أمريكا بقيام إيران بإصابة إحدى السفن التي حاولت العبور من مضيق هرمز ليكون الرد الأمريكي، ومجاراته من الطرف الإيراني.
* *
الآن وقد خرجت المعارك الإيرانية الأمريكية عن السيطرة وعلى هذا التصعيد من أيدي الوسطاء، بل ومن واشنطن وطهران، فلا يُعرف إلى أين سيكون المنتهى، خاصة إذا ما شاركت إسرائيل لاحقاً في هذه المعارك، متى تلقت إشارة بذلك من الرئيس ترمب.
* *
غير أن توسعة ميادين الصراع لا يخدم، استقرار المنطقة، ولا تُوفر بيئة مناسبة لتفكيك عقدة الطلبات لدى أمريكا والطلبات المضادة لدى إيران، في حين أن الجانب المتضرِّر هو إيران، وليس أمامها من خيارات غير تلك التي تمليها وتفرضها عليها الولايات المتحدة الأمريكية، وعليها أن تقبلها حتى ولو تجرَّعت السم، كما كان قد فعل الخميني ذلك في حرب السنوات الثمان مع العراق.
* *
الأسوأ في الموقف الإيراني تركيزه في الانتقام من أمريكا بتوجيه ضرباته لدول مجلس التعاون، التي لا مشاركة منها في هذه الحرب، فيما تتجاهل إسرائيل وهي من يساعد أمريكا، ولديها قاعدة عسكرية أمريكية لهذا الغرض.
* *
والأسوأ كذلك، أن تزج إيران بنفسها في حرب لا قدرة لديها على مواجهة القوات الأمريكية الآن، وقبل ذلك القوات المشتركة بين إسرائيل وأمريكا، وهو ما كلَّفها الكثير من فقدان القيادات، إلى تدمير البلاد، ما وضع إيران في حال تحتاج إلى عقود لتعود من جديد إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
* *
ربما يستخلص العقلاء في إيران من هذه الحرب مجموعة من الدروس والعبر المفيدة لهم ولبلادهم في المستقبل وبينها: التخلِّي عن فكرة التوسع، وإيجاد ميليشيات في بعض الدول تدين لها بالولاء، وأن تتجه بصدق إلى التعاون مع جيرانها، دون أن تتدخل في شؤونهم الداخلية، وتبدأ معهم في شراكات اقتصادية.
* *
إيران تحتاج إلى حكماء، إلى عقلاء، وإلى قادة يُحسنون قراءة التاريخ، ويتعاملون مع الجغرافيا على أنه مثلما لهم حقوق، فإن جيرانهم لهم حقوقهم، ولن يقبلوا المساس بها، مهما كانت حجم التضحيات، فالدول تُحمى بشعوبها، ودماء أبنائها، دون أن تفرِّط بها، أو تتسامح مع عدو طامع بها.

