السلام لا يُبنى على التنازلات المفتوحة، بل على احترام الدولة وسيادتها، ومن يهدد الأمن الإقليمي لا يستطيع أن يقدم نفسه شريكًا موثوقًا في صناعة السلام، وقد كشفت التطورات التصعيدية الأخيرة الوجه الحقيقي للحوثيين، وهو وجهٌ وإن خفتت ملامحه خلال بعض مراحل التهدئة، فإنه لم يغب يومًا عن ذاكرة اليمنيين بما خلّفه من تنكيل ودمار، وتقويضٍ لمؤسسات الدولة، وإطالةٍ لأمد الأزمة، وما جرى مؤخرًا لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا عابرًا، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا للمسار الذي سعت إليه الأطراف الإقليمية والدولية خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، لم تعد الشرعية اليمنية تتعامل مع الأزمة باعتبارها حربًا مفتوحة بلا نهاية، بل معركة لاستعادة الدولة بمؤسساتها وسيادتها، فقد مرت سنوات طويلة من المبادرات السياسية والوساطات ومحاولات التهدئة، أكدت أن أي تسوية لا يمكن أن تصمد ما لم تستند إلى إرادة حقيقية تعيد الاعتبار للدولة، وتضمن احتكارها للسلاح والقرار.
وفي المقابل، تؤكد ممارسات الحوثيين أن الرهان على إطالة الأزمة لا يزال حاضرًا، في وقت تتجه فيه الحكومة الشرعية إلى إعادة ترتيب أولوياتها انطلاقًا من حماية الداخل اليمني واستعادة مؤسسات الدولة، وهنا تتجلى المفارقة بين مشروع وطني يسعى إلى ترسيخ مؤسسات الدولة وبناء مستقبل اليمن، وآخر لا يزال يربط قراراته بحسابات تتجاوز الحدود اليمنية، ولو كان الثمن استمرار معاناة اليمنيين وتعثر فرص الاستقرار.
وفي خضم هذه التحولات، تواصل المملكة دعمها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، إلى جانب برامجها الإنسانية والتنموية، انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن استقرار اليمن يمثل ركيزة لاستقرار المنطقة، وأن إعادة بناء مؤسسات الدولة وتمكينها من أداء دورها هو الأساس الذي يقوم عليه أي سلام مستدام، ويهيئ البيئة اللازمة للتعافي الاقتصادي والتنمية.
اليمن اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن تمهد التطورات الأخيرة الطريق لاستعادة الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة، وإما أن يستمر استنزاف بلد يمتلك من المقومات ما يؤهله لأن يكون عنصر استقرار ونمو في محيطه. وبين هذين الخيارين، يبقى الموقف السعودي ثابتًا؛ دعم اليمن دولةً وشعبًا، ومساندة كل ما يعزز سيادته ووحدته واستقراره، وصولًا إلى يمنٍ يستعيد قراره الوطني، ويصنع مستقبله بإرادة أبنائه، بعيدًا عن التدخلات والأجندات الخارجية.

