محمد سليمان العنقري
بعد أن تم توقيع مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران لبدء مفاوضات الحل عقب نهاية العمليات العسكرية الكبرى التي استمرت 38 يوماً، حيث قامت إيران بزراعة ألغام بمضيق هرمز وهددت الملاحة فيه؛ مما أدى لإقفاله ما أدى لأن تقوم أميركا بحصار إيران إلى أن تم توقيع المذكرة فرفع الحصار لكن بقيت ورقة هرمز عالقة دون التزام إيراني بعودة حرية الملاحة، حيث استهدفت عدة ناقلات نفط وغاز وحاولت أن تؤثر على مسارات فيه لا تقع ضمن مياهها الإقليمية، وهو ما أدى لعودة التصعيد من جديد رغم أن الحرب كانت قد انتهت بحجمها السابق إلا أن المرحلة الحالية التي تتزامن مع فترة الهدنة البالغة 60 يوماً قد تندرج تحت رفع حرارة طاولة المفاوضات لإنجاز بنود الاتفاق سريعاً.
لكن هل ورقة هرمز صالحة للاستخدام من قبل إيران للضغط على أميركا أو محاولاتها توسيع دائرة الحرب باستفزاز دول الجوار العربية عبر توجيه صواريخ ومسيرات لأهداف مدنية، رغم ادعائها الكاذب أنها تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة، فالواقع أن هجماتها على دول الجوار فشلت لأنها لم تحقق هدفها بتوسيع دائرة الحرب أو تليين موقف واشنطن اتجاهها، لكن الأهم هي ورقة مضيق هرمز الذي له أهمية اقتصادية دولية كبيرة حيث تعبر منه 20 بالمائة من النفط المصدر للعالم بخلاف الأسمدة والمشتقات النفطية والغاز المسال والبتروكيمياويات، وكذلك حجم ضخم من البضائع والسلع أي أن تأثيره الاقتصادي بالغ جداً على العالم دون استثناء، فاستخدام مضيق هرمز في هذه الحرب كورقة ضغط سياسي نتج عنها تحول سلبي كبير بالموقف الدولي اتجاه إيران، مما حقق مكسباً سياسياً لواشنطن في حملتها ضد إيران وبذات دول عديدة تخطط للمشاركة في حماية الملاحة في منطقة المضيق، فالأثر على الاقتصاد العالمي سيطالها بارتفاع بالتضخم وشح إمدادات الطاقة ومشتقاتها، فأوروبا تعاني أساساً مما فقدته بحرب روسيا وأوكرانيا من ميزة الطاقة الرخيصة الممثلة بالغاز الروسي، حيث توقفت عن شرائه دعماً لأوكرانيا وعقوبة لموسكو إلا أن أزمة مضيق هرمز ستزيد معاناتها؛ وهذا ما يجعلها مضطرة للمشاركة في حماية حرية الملاحة وهي مواقف تعد عملياً ضد إيران التي كانت بحاجة لضغط أوروبي يدعم وقف الحرب عليها، وذات الأمر ينطبق على دول أسيوية تضررت من ارتفاع أسعار الطاقة.
هرمز أصبح فخاً لإيران فهي لن تتمكن من استخدامه مطولاً كسلاح يردع أميركا التي تملك نفطاً وغازاً بكميات ضخمة ولا تستورد شيئاً يذكر من منطقة الخليج، بل استفادت شركاتها بزيادة الصادرات لأسواق لم تتواجد فيها سابقاً، أي أن ما قامت به إيران خدم أميركا ولم يضرها وبالمقابل شوه سمعت طهران عند أقرب شركائها التجاريين وكذلك دول أوروبا التي سعت لإعادة العلاقات الطبيعية معها، وخسرت الأهم وهو دول الجوار وعرضت الاقتصاد العالمي للخطر لكن ما حدث أن الهدنة سمحت بخروج جل السفن العالقة المقدرة حوالي 800 سفينة مع مرور أكثر من 400 مليون برميل نفط وكذلك غاز مسال ومشتقات ومنتجات بتروكيماوية، وهو ما يعني أن أثر المضيق تراجع، إضافة إلى وجود ممر من المياه العمانية أي أن استخدام ورقة المضيق بهذه المفاوضات تراجع تأثيرها كثيراً.
مضيق هرمز ممر دولي طبيعي لا يمكن العبث به، ولكن هذه الحرب فتحت الأعين على توجه جديد لدى دول المنطقة لإعادة بناء خطوط سلاسل الإمداد، وخلال عشرة أعوام على ابعد تقدير ستتلاشى كثير من أهميته ودوره في تجارة المنطقة مع العالم، وسينشأ قطاع لوجستي ضخم يعزز مصالح المنطقة مع العالم ويربطها بالقارات الأهم أسيا وأوروبا وأفريقيا عبر طرق ووسائل متعددة يعظم عوائدها من موقعها الجغرافي وتأثيرها بالاقتصاد العالمي.

