من يتابع ما يجري في منطقتنا خلال الأشهر الأخيرة يلاحظ أننا نعيش مرحلة تختلف عن كثير من المراحل السابقة. فبين التصعيد والتهدئة، وبين لغة التهديد ورسائل الحوار، وبين حسابات القوى الكبرى ومصالح دول الإقليم، تقف المنطقة أمام مفترق طرق يستحق التأمل.
لقد أنهكت الحروب والصراعات شعوب المنطقة لعقود طويلة، ودفعت الأوطان أثمانًا باهظة، وتراجعت فرص التنمية في بعض البلدان، بينما انشغل الناس بأخبار الأزمات أكثر من انشغالهم بأخبار البناء والازدهار. واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى إلى تغليب صوت العقل والحكمة على أصوات المغامرة والتصعيد.
وفي خضم التطورات المتلاحقة، أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي أنها الأكثر إدراكًا لحجم المخاطر التي تحيط بالمنطقة، فمنذ سنوات وهي تدعو إلى التهدئة، واحترام سيادة الدول، وحل الخلافات بالحوار، وتجنيب الشعوب ويلات الحروب التي لا يخرج منها أحد منتصرًا.
ولعل ما تشهده الساحة السياسية من وساطات واتصالات وتحركات دبلوماسية يؤكد أن الجميع بات يدرك أن البديل عن الحوار ليس إلا مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار. فالتنمية التي تتسابق عليها دول المنطقة تحتاج إلى بيئة آمنة، والاستثمارات تحتاج إلى طمأنينة، والشعوب تتطلع إلى مستقبل أفضل من مستقبل الأزمات المفتوحة.
ومن المؤسف أن بعض الأطراف لا تزال تنظر إلى المنطقة بعقلية النفوذ والتوسع وإدارة الأزمات بدلاً من حلها، والتجارب أثبتت أن التدخل في شؤون الآخرين أو دعم الفوضى لم يحقق استقرارًا لأحد، بل إنه أضاف أعباءً جديدة على الجميع.
وفي المقابل، فإن ما نشهده اليوم من مشاريع تنموية كبرى في المملكة ودول الخليج يقدم نموذجًا مختلفًا، نموذجًا يقوم على الاستثمار في الإنسان، وبناء الاقتصاد، وصناعة المستقبل، بدلاً من استنزاف الطاقات في صراعات لا تنتهي.
إن المنطقة أمام فرصة تاريخية لتجاوز كثير من إرث الماضي، فرصة تُبنى فيها الجسور بدلاً من المتاريس، وتُفتح فيها أبواب التعاون بدلاً من ساحات المواجهة. وقد أثبتت السنوات الماضية أن الشعوب العربية والخليجية تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية أكثر من أي شيء آخر.
ويبقى الأمل بالله كبيرًا أن تنتصر الحكمة على الانفعال، وأن تُقدَّم مصالح الشعوب على حسابات الصراع، وأن يدرك الجميع أن مستقبل المنطقة لا يصنعه السلاح وحده، بل تصنعه أيضًا الثقة، والتعاون، والاحترام المتبادل، والإيمان بأن التنمية هي الطريق الأقصر إلى الأمن، وأن الاستقرار هو المكسب الحقيقي الذي يستحق أن تتكاتف من أجله الجهود.
فما بين الأزمات والفرص، لا تزال المنطقة تملك القدرة على اختيار الطريق الذي يقودها إلى غدٍ أكثر أمنًا وازدهارًا، متى ما غلّبت الحكمة على الضجيج، والبناء على الهدم، والأمل على الخوف.

