: آخر تحديث

العراق من المهد الى اللحد

3
2
3

العراق من المهد إلى اللحد

شيرزاد شيخاني

كنت أتساءل في نفسي مرات عدة: "لماذا كل قصائدنا نحن العراقيين مليئة بالحزن وأغانينا يغلبها طابع الشجن؟ لماذا مواويلنا كلها تجرف الدموع، وكلامنا يدعو إلى الحنين؟!". أترك اللطم وتمزيق أجسادنا بالمطاوي حزنًا على الحسين وهذا حقه علينا، لكن بعد ألف سنة من استشهاده لماذا ما زال الحزن يغلب على قلوب العراقيين من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه.

لم يمر يوم على العراقيين إلا وتعرضوا إلى الظلم، وكأن الظلم صُنع لأجل العراق. فعلى مدى أربعة قرون حكمتنا إمبراطورية عثمانية غاشمة ظالمة كل همها هو فرض الإتاوات والضرائب لتمويل جيوشها الغازية لأنحاء العالم. ولم يكد ينزاح الاحتلال التركي عن صدورنا حتى جاء الاحتلال البريطاني الذي لم يكن أرحم من العثمانيين حتى استبشرنا خيرًا بتأسيس دولتنا المستقلة في عشرينيات القرن الماضي. لكننا ابتلينا مرة أخرى بسياسيين عملاء للإنجليز كل همهم هو ربط العراق بالمعاهدات الاستعمارية.

ثم جاء أول حاكم عراقي في تاريخ الدولة وفجر ثورة 14 تموز (يوليو) عام 1958 لكنه أُبتلي بدوره في التحالف مع الشيوعيين الذين ساروا على نهج الزعيم السوفيتي ستالين في تصفية معارضيه، قتلوا وذبحوا وسحلوا الكثيرين منهم. ثم جاء حكم البعث الشوفيني الذي لم يرحم الشيوعيين والكورد والليبراليين وبقية شرائح المجتمع. وكانت فترة حكم الرئيس عبد الرحمن عارف هي أهدأ فترات الحكم في العراق، لكن يبدو أنه حتى السنتين اللتين حكم فيهما هذا الرجل استكثره البعث على العراقيين فعاد مرة أخرى إلى السلطة ليذيق العراقيين جرعة أقوى من الظلم والعذاب ثم يؤول الحكم إلى حجاج العصر صدام حسين ليقتل الملايين ويشرد ملايين الآخرين في العراق بحروب عبثية ويحكم البلد بالحديد والنار. فزادت الجرعة أكثر وأكثر.

بعد سنوات عجاف من حكم صدام انزاح الكابوس عن صدر العراقيين وجاءت أحزاب سياسية وطائفية كانت تلطم وتبكي على حال العراق في ظل النظام الدكتاتوري السابق. لكن بما أن الشعب العراقي لم يكتب له أن يضحك أو يرسم حتى ابتسامة صغيرة على شفاهه سرعان ما تحول فرح التغيير إلى اللطم والنحيب هذه المرة بسبب شيوع الفساد في أرجاء الدولة وبدأ الكل ينهب ويسرق الدولة بإسناد ودعم دول خارجية.

لا أظن أن هناك دولة في العالم عانت من الفساد كما العراق. ففي وقت يحاكم طفل صغير لسرقته علبة كلينكس بالسجن خمس سنوات، يهرب مسؤول عراقي بتريليونين ونصف تريليون دينار من أموال الضريبة وما زال طليقًا يسكن أفخم فنادق العالم ويتجول في جزر الكاريبي. وأعضاء في هيئة النزاهة التي يفترض أن يكونوا نزيهين طالما يعملون في هيئة اسمها النزاهة، تراهم يتسابقون هم أيضًا على النهب والسرقة من أموال الدولة؟!. وزعماء سياسيون بدل أن يتعاونوا مع السلطة القضائية لحماية البلد يتسترون على السارقين ويوفرون لهم الحصانة من المحاسبة؟!.

إن الفساد ضارب بجذوره في أرض العراق، ولا أظن لا الصولات الفجرية والمداهمات الليلية، ولا حتى الدبابات والمدرعات النازلة إلى الشوارع باستطاعتها أن تقتلع جذور الفساد في العراق، فلقد جرب العراقيون كثيرًا الحكومات الانقلابية التي مرت على العراق وسمعوا كثيرًا البيانات (رقم واحد) الذي يبشر فيه الانقلابيون بفجر جديد وبحياة شريفة للعراقيين.

وهنا أتذكر قصة جميلة كتبها أحد العراقيين في الفيسبوك، والقصة فيها عبارات خادشة لا يمكن كتابتها في مثل هذا المنبر المحترم بالرغم من أن القصة لن تعطي حلاوتها إذا لم ترو كما هي، ولكني سأحاول في حدود اللياقة والأدب أن أرويها مع تغيير العبارات كي لا أجرح شعور الآخرين. يقول الرجل:

(أم عبودي امرأة مسنة كانت تعمل سمسارة مشهورة في حي المنصور ببغداد ولديها بنات فاتنات وجميلات تشغلهن في بيتها. وفي نهاية التسعينيات أعلن صدام حسين حملته الإيمانية وأطلق فدائيي صدام التابعين لولده عدي لملاحقة وقتل الساقطات في شوارع بغداد. ويقول الرجل ذهبت إلى بيت أم عبودي لتحذيرها وقلت لها "يا أم عبودي خلينا نهربك إلى خارج العراق حتى لا يقتلوك فدائيو صدام". فضحكت منا المرأة وقالت "الله يحفظ الرئيس خلوه يخلص البلد من الفساد الأخلاقي والساقطات وأنا لا يهمني". يقول الرجل "بعد أيام استفردت أم عبودي بالساحة ووقفت طوابير طويلة مرة أخرى أمام منزلها وقامت تعلي الأسعار"!).

أخاف أن تتكرر قصة أم عبودي هذه مع ما يجري اليوم من ملاحقة الفاسدين، ويبقى هناك من يستفردون بالساحة مرة أخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.