: آخر تحديث

اغتيال ترامب في عقيدة الانتقام الإيراني

2
2
2

 

إيران اليوم لا ترى دونالد ترامب مجرد خصم سياسي، بل عدوًا شخصيًا لـ«رأس النظام» ولرمز ولاية الفقيه. فبعد مقتل خامنئي، تحوّل الخطاب الرسمي وشبه الرسمي في طهران إلى مزج بين فكرة «المرشد الشهيد» وواجب الثأر ممن يُحمَّل مسؤولية استهدافه، وفي مقدمتهم ترامب. أما في مجالس العزاء والخطب، فسُمعت عبارات من نوع أن «دم المرشد أمانة»، وأن من قاد الحرب على إيران «لن يكون آمنًا ما دام فينا نَفَس»، ما يرفع التهديد من مستوى الدعاية إلى مستوى الواجب الوجودي في عقل النظام وشبكاته.

ترامب، من جهته، يربط أمنه الشخصي بمصير النظام الإيراني. وفي أكثر من تصريح، قال إن إيران «تحاول قتلي منذ سنوات»، وإن أي محاولة ناجحة ستُقابل بضرب الجمهورية الإسلامية «بمستويات لم تشهدها من قبل»، وإن إيران «ستدفع ثمنًا لن تنساه». هكذا يحاول ترسيخ معادلة مفادها أن المساس برأس القيادة الأميركية يساوي المساس بقلب النظام الإيراني، وأن ملف الاغتيال ليس حادثة جنائية، بل بوابة محتملة لحرب من نوع مختلف.

بين خطاب ثأر محمول على دم خامنئي وردع أميركي يعتبر الاغتيال خطًا أحمر وجوديًا، تتشكل بيئة تهديد معقّدة. والسؤال لم يعد: هل التهديد حقيقي؟ بل: كيف يمكن أن يتطور إذا تُرك بلا معالجة وقائية؟ وكيف ينتقل من خانة الكلام الغاضب إلى خانة التخطيط الهادئ والبحث عن أدوات التنفيذ؟

غير أن أي خطاب ثأر، مهما ارتفع سقفه، يبقى محدود الأثر ما لم يجد بنية قادرة على تحويله إلى فعل، وهنا تظهر طبيعة الشبكة التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. فإيران لا تعتمد فقط على جهاز استخبارات كلاسيكي أو ميليشيات محلية، بل على شبكة أوسع تمتد من الحرس الثوري وأذرعه إلى علاقات مع شبكات الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات وغسل الأموال.

وفي أميركا اللاتينية، يظهر اسم الحرس الثوري وحزب الله إلى جانب كارتيلات وممرات تهريب، بينما شهدت أوروبا قضايا متكررة لعناصر مرتبطة بإيران اتُّهمت بالتخطيط لمحاولات اغتيال واستهداف معارضين أو بدعمها، بما يعكس استعدادًا لاستغلال أي ثغرة قانونية أو أمنية.

في ضوء هذه البنية، لا يحتاج البحث عن منفّذ لعملية اغتيال إلى خلق شبكة جديدة من الصفر، بل إلى توجيه شبكة قائمة نحو هدف محدد. يمكن لطهران أن تلجأ إلى قتلة مأجورين عبر الكارتيلات وشبكات الجريمة، فتشتري خبرة قتالية جاهزة، وتستفيد من طرق التهريب لإيصال المنفذ إلى نقطة التنفيذ، مع تغليف العملية في إطار جريمة مأجورة يصعب ربطها فورًا بقرار سياسي. ويمكن أن تستثمر في بيئات مهاجرين أجانب في أوروبا وأميركا، بعضهم يعيش تهميشًا أو يحمل غضبًا عميقًا تجاه الولايات المتحدة، فيُدفع إلى تنفيذ عملية بوصفها انتقامًا لقضية يراها عادلة، أو تضامنًا مع «المرشد الشهيد».

كما يمكن فتح قنوات مع متطرفين أيديولوجيين من حركات هامشية ترى في ضرب رأس القيادة الأميركية فعلًا ثوريًا ضد الإمبريالية.

العنصر الذي يضاعف خطر هذه الأدوات هو التعبئة الجماهيرية التي رافقت تشييع خامنئي. فالمشهد لم يكن مجرد جنازة رسمية، بل بحرًا بشريًا يهتف للثأر، ويرفع صور المرشد، ويُحمِّل الغرب وترامب مسؤولية الدم. وحين تُسمع الهتافات عن «القصاص للمرشد»، يحصل الحرس الثوري على شيء أثمن من الحشود نفسها، وهو شرعية شعبية لأي مشروع انتقام.

وفي ذروة مشاهد العزاء، لم يكتفِ الموكب برفع صور خامنئي ورايات الثأر، بل ظهر أنصار النظام يحملون ملصقات ضخمة لترامب ولائحة من السياسيين والإعلاميين الأميركيين المقرّبين من إسرائيل، تتوسط جباههم شعيرات تصويب حمراء، وتعلوها عبارة بالإنجليزية: «عاجلًا أو آجلًا ستتدحرج رؤوسكم». بلا شك، ليست هذه نوبة غضب عابرة في شارع منفلت، بل تحريض مُنسَّق في جنازة رسمية، يعلن عمليًا أن قتل هؤلاء «واجب ثأر» مفتوح، ويبعث إشارة إلى كل شبكة أو ذئب منفرد بأن الطريق إلى هذه الأهداف ممهَّد سياسيًا ورمزيًا من قلب طهران.

في بيئة كهذه، لا تحتاج إيران إلى أن تترك بصمتها على كل رصاصة؛ يكفي أن توفّر الخطاب والرمز، وأن تترك التنفيذ لشبكات الجريمة المنظمة والعصابات العابرة للحدود، وللهوامش الأيديولوجية التي تبحث عن لحظة مجد دموية.

الحقيقة أن هذه الحشود تتحول، في عقل الأجهزة الأمنية الإيرانية، إلى بنك تجنيد واسع. فمن حضر، ومن أظهر حماسًا أعلى، ومن ينتمي إلى تنظيمات أو شبكات، ومن يعيش في دول أخرى؛ جميعهم يدخلون في دائرة الرصد. ومع امتداد شبكة الولاء المرتبطة بولاية الفقيه إلى العراق ولبنان وسوريا وأفريقيا وأوروبا، يصبح في متناول الحرس الثوري أن يترجم جزءًا من هذه التعبئة إلى شبكة انتقام فعلية، تعمل على توفير ملاذات آمنة، ودعم لوجستي، وتسهيل انتقال أفراد، أو قبول المشاركة في عملية خارج الحدود بوصفها وفاءً لدم خامنئي.

لذلك، لا يكفي تحسين إجراءات الحماية حول الرئيس، بل يجب إعادة هندسة قواعد الاشتباك مع منظومة الانتقام الإيرانية نفسها. ويبدأ ذلك بمعاملة أي تهديد جدي باغتيال قيادة أميركية أو إسرائيلية كعمل عدائي في طور التشكّل، تُستهدف على أساسه وحدات التخطيط والتنفيذ في الحرس الثوري مبكرًا. ويتواصل عبر توسيع دائرة الأهداف الوقائية لتشمل الشبكات المالية والتهريبية التي تغذي هذه المنظومة، وتمنحها القدرة على التحرك عبر الحدود. ويكتمل ببناء إطار تحالفي واضح يضمن تبادل المعلومات حول هذه الشبكات، وقوائم أهداف جاهزة، وقواعد اشتباك مُعلنة تقول إن مجرد الدخول في ملعب التخطيط الجدي للاغتيال يترتب عليه ثمن فوري، حتى قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

بهذا المنطق، لا تصبح الخطوة الوقائية انفعالًا أو هروبًا إلى الأمام، بل إعادة ترتيب لقواعد الردع. الرسالة المطلوبة إلى طهران، وإلى كل من يفكر في تقديم «خدمة» ضمن مشروع انتقام لدم خامنئي، هي أن التهديد نفسه أصبح مكلفًا، وأن مجرد الانخراط في التحضير من داخل منظومة ولاية الفقيه أو شبكاتها كافٍ لاستدعاء رد موجع على تلك المنظومة، لا على المنفذ الصغير الذي يمكن التضحية به. المسألة، في النهاية، ليست: هل تستطيع إيران عمليًا الوصول إلى ترامب؟ بل: هل الغرب مستعد لتحويل هذا التهديد إلى عبء لا يُحتمل على منظومة الانتقام الإيرانية، قبل أن يتحول إلى حادثة مفصلية تغيّر شكل النظام الدولي؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.