: آخر تحديث

وقفة يسيرة مع مآثر الشيخ فوزان الحميّن

1
1
1

منذ أن طرق سمعي نبأ رحيل الشيخ فوزان بن عبد العزيز الحمين - رحمه الله -، والقلم يثقل في يدي، والنفس تأبى الانقياد للكلمات؛ فبعض الرجال إذا غابوا اتسعت مساحة الفقد حتى تضيق العبارة عن احتوائها، وتصبح المحبة الصادقة أكبر من أن تترجمها الجُمل، وأبلغ من أن تستوعبها السطور.

عرف الناس الشيخ فوزان بسمت الوقار، وبشاشة المحيا، ونبل الخلق، غير أن أجمل خصاله وأعظمها أثرًا كانت تلك التي حرص أن تبقى بعيدة عن الأضواء. فقد كان - رحمه الله - من أولئك الذين جعلوا من قضاء حوائج الناس عبادة يومية، ومن خدمة الخلق منهج حياة. فما قصده محتاج إلا وجد منه قلبًا يسعه قبل أن يسعه مجلسه، ولا طرق بابه صاحب حاجة إلا حمل همّه كأنه بعض همومه.

وكان من كريم شمائله أن يُشعر صاحب الحاجة بأنه هو صاحب الفضل، وأن المعروف الذي يقدمه إنما يعود نفعه عليه قبل غيره، فاجتمع له من التواضع ما يرفع القدر، ومن الإحسان ما يستجلب المحبة، ومن القبول ما جعله وجيهًا في قلوب الناس قبل أن يكون وجيهًا بينهم. ولعل ذلك القبول الذي أودعه الله في النفوس كان مفتاحًا لقضاء حاجات كثيرة، وسببًا في تفريج كربات لا يعلم عددها إلا الله سبحانه.

ولم يكن - غفر الله له - يكتفي بالسعي للناس، بل كان يصون كراماتهم صونًا عجيبًا؛ فإذا قصده صاحب حاجة حرص ألا يطّلع أحد على شأنه، وكأن ستر الناس عنده باب من أبواب البر لا يقل فضلًا عن خدمتهم. وفي المقابل، كان واسع الامتنان لكل من أسدى إليه معروفًا، مهما صغر في أعين الناس، فيذكره ويشيد به ويعظّم أثره، حتى ليظن السامع أن ذلك المعروف من أجلّ ما أُسدي إليه، وما ذاك إلا لنفس كبيرة أدركت قيمة الوفاء، وعرفت حق الجميل.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يصفه بعض محبيه بـ"سفير الزلفي في المنطقة الشرقية"، فقد حمل همّ أبناء مدينته خاصة، وخدمة الناس عامة، وجعل من بذل الجاه وقضاء الحوائج جسرًا يصل به إلى قلوب الخلق. عاش محبوبًا بين الناس، ورحل مأسوفًا عليه بينهم، حتى بدا مجلس عزائه وكأن الجميع يعزّي الجميع؛ فلا يكاد المرء يميّز بين أهل بيته وسائر محبيه، لأن الفقد كان عامًا، والمصاب كان مشتركًا، والراحل كان جزءًا من ذاكرة مجتمع بأكمله.

وإن من الوفاء لرجل هذا شأنه، ومن الإنصاف لسيرة حفلت بالعطاء والإحسان والعمل الاجتماعي والتربوي، أن يُخلَّد اسمه في المكان الذي شهد أثره وعرف فضله. ومن هنا أتقدّم بمقترح أرجو أن يحظى بعناية صاحب السمو الملكي أمير المنطقة الشرقية، وأن يجد صداه لدى أمانة المنطقة الشرقية، وذلك بإطلاق اسم الشيخ فوزان بن عبد العزيز الحمين على أحد شوارع مدينة الدمام؛ تقديرًا لعطائه الممتد، ووفاءً لسيرته العطرة، وتخليدًا لذكرى رجل عاش للناس فبقي حيًا في قلوبهم بعد رحيله. فالأوطان العظيمة لا تكتفي بحفظ تاريخ رجالها في الذاكرة، بل تنقشه في معالمها وشوارعها، ليبقى شاهدًا على أن الأعمال الصالحة لا تموت بموت أصحابها، وأن الأثر الكريم أبقى من العمر نفسه.

رحم الله الشيخ فوزان الحمين (أبو عبد الرحمن) رحمة واسعة،
وغفر له، وأجزل له المثوبة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجزاه عن أهله ومجتمعه ومحبيه خير الجزاء. كما أسأل الله أن يبارك في أبنائه وإخوانه وأسرته الكريمة، فقد كانوا امتدادًا لغرس طيب ومربٍّ فاضل علّم الأدب قبل العلم، والخلق قبل القول، فبقي أثره فيهم كما بقي في كل من عرفه وصحبه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.