أعتقد أن أعظم أنواع الشجاعة أن نجلد ذواتنا بالمنطق، لطالما رددت على مسامع من حولي أن جلد الذات بالمنطق أرحم من جلد الأوطان بالأوهام؟
هناك سؤال لم يطرحه الفلاسفة بما يكفي، لأنه يهدم غرور الإنسان من أساسه: كيف ترانا الحيوانات؟
ليس كيف نراها نحن، فقد كتبنا آلاف الكتب عن الأسود والنسور والدلافين والحيتان والنمل، بل كيف ترانا هي؟ ماذا لو امتلكت القدرة على كتابة التاريخ؟ ماذا لو اجتمعت ممالك الحيوان في مؤتمر كوني لتصنيف الكائنات التي تعيش على الأرض؟ تحت أي خانة سيضعون الإنسان؟
أخشى أن الإجابة لن تعجبنا!
النسر الذي يحلق آلاف الأمتار في السماء لا يرى الحدود التي رسمناها بين الدول، ولا يفهم لماذا يقتل إنسان إنسانًا لأنه وُلد على بعد كيلومترات قليلة من مكان آخر. بالنسبة إليه، الأرض قطعة واحدة، بينما نحن وحدنا الذين قسمناها بأسلاك شائكة وجيوش وصواريخ.
الحوت الأزرق، أضخم مخلوقات الله عز وجل، ربما ينظر إلينا كنوع غريب يملأ البحار بالضجيج والنفايات ثم يعلن في نهاية العام أنه يحتفل باليوم العالمي للبيئة. لا يستطيع أن يفهم كيف يدّعي الكائن الأكثر ذكاء أنه حامي الطبيعة، بينما هو الوحيد الذي يلوثها عمدًا!
أما الذئب، الذي جعلناه رمزًا للغدر وأحيانًا الشراسة بحسب موروثاتنا المختلفة جدًا، فربما ينظر إلينا بدهشة. فهو يقتل ليأكل، ولا يقتل لأنه يكره. لا يحتل أراضي الذئاب الأخرى بحجة نشر الديمقراطية، ولا يخترع نظريات أخلاقية لتبرير افتراس أبناء جنسه. الذئب لا يكذب، ولا ينافق، ولا يوقع معاهدة سلام صباحًا ثم يبدأ الحرب مساءً!
والنمل، ذلك الكائن الذي لا يتجاوز حجمه بضعة مليمترات، قد يرانا أكثر الكائنات فوضوية على سطح الأرض. مستعمراته تعمل بانسجام مذهل منذ ملايين السنين، بينما نحن، بالرغم من كل جامعاتنا وأقمارنا الصناعية وحواسيبنا العملاقة، ما زلنا نعجز عن إدارة مدينة دون فساد، أو دولة دون صراع، أو منظمة دون انقسام.
حتى القطط، التي نتهمها بالأنانية، ربما تعتبرنا مرضى بالسلطة. فهي تنام حين تشعر بالتعب، وتأكل حين تجوع، ولا تبحث عن إعجابات، ولا عن انتخابات، ولا عن مؤتمرات صحفية لتعلن أنها الأفضل. نحن وحدنا الذين اخترعنا سوق الشهرة، ثم تحولنا إلى عبيد له.
أتخيل أن الغزلان لا تفهم لماذا يركض الإنسان طوال عمره. يركض ليجمع المال، ثم يركض لينفقه على علاجه، ثم يركض ليشتري وقتًا لم يعد يملكه. الغزال يهرب من الأسد دقائق معدودة، أما الإنسان فيهرب من نفسه طوال حياته!
وربما تقف الأشجار شاهدًا صامتًا في هذه المحكمة الكونية. فهي ترى الإنسان يقطعها ليصنع منها ورقًا، ثم يكتب على ذلك الورق قوانين لحماية البيئة!
أي مفارقة أكثر سخرية من هذه؟
لكن السؤال الأكثر إيلامًا ليس كيف ترانا الحيوانات اليوم، بل كيف ستتحدث عنا بعد مئتي عام؟
تخيل أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الطبيعة، وأن الروبوتات تعلمت لغة الطيور، وأن الخوارزميات استطاعت ترجمة أصوات الحيتان والدلافين والغربان والنحل. حينها ستظهر لأول مرة (رواية الحيوانات) عن التاريخ البشري!
لن يسمونا الإنسان العاقل كما أحببنا أن نصف أنفسنا، ربما سيطلقون علينا اسمًا آخر: الكائن الذي عرف كل شيء إلا نفسه!
لقد اخترعنا المجهر فرأينا الخلية، واخترعنا التلسكوب فرأينا المجرات، واخترعنا الحاسوب فحسبنا المليارات في الثانية، لكننا لم نخترع بعد جهازًا يقيس مقدار الجشع داخل القلب البشري!
كل الحيوانات تعرف متى تتوقف، الإنسان وحده لا يعرف، الأسد يتوقف بعد الشبع، الذئب يتوقف بعد الصيد، النسر يتوقف بعد أن يجد عشه، أما الإنسان فلا يتوقف حتى بعد أن يمتلك ما يكفيه بعشرة أضعاف. يريد المزيد من السلطة، والمزيد من المال، والمزيد من الشهرة، وكأنه يخوض سباقًا ضد نهاية يعرف أنها ستنتصر عليه.
وربما لهذا السبب لم تنقرض الحيوانات بسبب ذكائها المحدود، بينما قد ينقرض الإنسان بسبب ذكائه غير المنضبط.
لسنا أخطر الكائنات لأننا الأقوى، بل لأننا الوحيدون القادرون على تدمير العالم ونحن نعتقد أننا نطوره.
وربما كانت الحيوانات، طوال هذا الزمن، أكثر حكمة منا. فهي لم تحاول يومًا أن تصبح شيئًا غير ما هي عليه. لم تدّعِ امتلاك الحقيقة المطلقة، ولم تخترع أيديولوجيات، ولم تقسّم الأرض إلى مؤمن وكافر، أو شرق وغرب، أو عرق وعرق.
كانت تعيش وفق قانون بسيط: البقاء دون ادعاء السيادة على الكون.
أما نحن، فقد نصبنا أنفسنا ملوكًا على كل شيء، حتى انتهى بنا الأمر غرباء عن كل شيء!
لهذا أخشى أن التاريخ الحقيقي للأرض لن يكتبه البشر، بل ستكتبه الكائنات التي نجت من البشر. وعندما تُفتح صفحات ذلك التاريخ، سيقرأ أحفادها فصلًا طويلًا عن مخلوق غريب امتلك العقل، لكنه لم يمتلك الحكمة؛ بنى الحضارات، ثم هدمها؛ وصل إلى القمر، لكنه عجز عن الوصول إلى سلامه الداخلي.
عندها فقط، ربما سنكتشف أن السؤال لم يكن يومًا: هل الحيوانات أقل ذكاء منا؟ بل كان السؤال الذي هربنا منه دائمًا: هل كنا نستحق أن نكون أكثرها سلطة؟


