لا تُثقل الإنسانَ الأحداثُ بقدر ما تُثقله التوقّعات. فلكل مرحلةٍ في الحياة صورةٌ جاهزة، ولكل دورٍ معيارٌ يُنتظر بلوغه، حتى يجد المرء نفسه محاطًا بسلسلةٍ من المطالب التي لم يختر أكثرها، لكنه يشعر بأنه مطالبٌ بتحقيقها.
منذ سنواته الأولى، يتلقى الإنسان رسائل غير مكتوبة عمّا ينبغي أن يكونه: كيف ينجح، ومتى يتزوج، وما الذي يحققه، وكيف يبدو أمام الناس. ومع مرور الوقت، لا تعود هذه التوقعات أصواتًا خارجية، بل تتحول إلى صوتٍ داخلي يراقب، ويحاسب، ويقارن، ويؤجل الرضا إلى محطةٍ لا يكاد يصل إليها.
ولا تنشأ المشكلة من وجود التطلعات، فهي وقود الإنجاز حين تنبع من قناعة. إنما تبدأ حين يصبح رضا الإنسان عن نفسه مرهونًا بما ينتظره الآخرون منه. عندها يفقد النجاح طعمه، لأن كل إنجاز لا يلبث أن يُستبدل بتوقعٍ جديد، وكل قمةٍ تُقاس بما بعدها، لا بما تحقق عليها.
وقد أسهمت الحياة الرقمية في تضخيم هذا العبء، إذ صار الإنسان يقارن حياته بملخصات حياة الآخرين، ويقيس تقدمه بمشاهد لا تعكس الحقيقة كاملة. وهكذا، لم تعد المقارنة بين واقعٍ وواقع، بل بين واقعٍ وصورةٍ منتقاة بعناية.
ويبلغ هذا العبء ذروته حين يظن الإنسان أن قيمته تتحدد بقدرته على إرضاء الجميع. فيحمل ما لا يلزمه، ويسلك طرقًا لا تشبهه، ويؤجل رغباته حتى لا يخيب توقعات غيره. وما يبدأ سعيًا إلى القبول، قد ينتهي بابتعادٍ هادئ عن الذات.
ولا يعني ذلك أن يتخلى الإنسان عن مسؤولياته أو يزهد في الطموح، بل أن يفرّق بين ما يختاره بإرادته، وما يعيشه استجابةً لضغطٍ اجتماعي. فالطموح يمنح الحياة اتجاهًا، أما التوقعات المفروضة فتجعلها سباقًا لا خط نهاية له.
إن أكثر ما يحرر الإنسان ليس أن يحقق كل ما ينتظره الآخرون، بل أن يعرف أيَّ التوقعات يستحق أن يحملها، وأيَّها ينبغي أن يتركها خلفه.
فليست الحياة مرهقةً لكثرة ما فيها من مسؤوليات، بل لكثرة ما نحاول أن نكونه في عيون الآخرين.


