هل يمكن لزيارة واحدة إلى واشنطن أن تغيّر مستقبل العراق؟ ممكن، ولكن من المبكر إصدار حكم نهائي على زيارة رئيس الوزراء السيد علي الزيدي والوفد المرافق إلى الولايات المتحدة الأميركية. لكن لا يُنكر أن أهم ما أظهرته الزيارة هو تحسن واضح في العلاقة السياسية. فقد أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترحيبًا كبيرًا برئيس الوزراء، ووصفه بأنه "صديق كبير للولايات المتحدة"، وأشاد بشخصيته، وهو ما يعكس رغبة أميركية في فتح صفحة جديدة مع الحكومة العراقية.
كما لوحظ تركيزٌ بالغ على الاقتصاد والاستثمار، حيث تحدث الجانبان عن توسيع استثمارات الشركات الأميركية في العراق، خصوصًا في قطاع الطاقة والبنية التحتية، مع توقع الإعلان عن اتفاقيات اقتصادية ونفطية. وإذا نُفذت هذه الاتفاقيات، فقد تسهم في خلق فرص عمل وتحسين إنتاج الكهرباء والاقتصاد العراقي.
وفي الملف الأمني وحصر السلاح، يبدو أن الإدارة الأميركية جعلت حصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة من أهم أولوياتها. وقد أكد رئيس الوزراء التزام حكومته بالمضي في هذا المسار، وهو ما تعتبره واشنطن شرطًا أساسيًا لتعميق التعاون مع العراق.
إن هذه الزيارة قد تكون بداية فرصة للنجاح. فاللقاءات والاتفاقيات مهمة، لكن النتائج المنتظرة هي التي ستكون مقياس النجاح المنتظر. هل ستُنفذ الاتفاقيات الاقتصادية؟ وهل ستدخل الشركات الأميركية باستثمارات كبيرة؟ وهل ستتحسن الكهرباء والطاقة؟ وهل ستنجح الحكومة في فرض سلطة الدولة وحصر السلاح؟
إذا تحقق جزء كبير من هذه الأهداف خلال الأشهر المقبلة، فقد تُعد هذه الزيارة نقطة تحول في العلاقات العراقية الأميركية.
ومن تجاربنا السابقة، فإن أغلب رؤساء الحكومات العراقية المتعاقبة قاموا بزيارة الولايات المتحدة الأميركية وأعلنوا عن نتائج كثيرة جيدة، لكنهم لم يحققوا، على أرض الواقع، جزءًا كبيرًا من تلك النتائج.
وثبت أن كل زيارة إلى البيت الأبيض ليست حدثًا تاريخيًا بحد ذاتها، كما أن كل الصور المثيرة مع الرئيس الأميركي تعني أن العراق دخل مرحلة جديدة. لكن بعض الزيارات تفتح أبوابًا، وبعضها يغلقها، وبعضها يبقى مجرد صورة في الأرشيف. فإلى أي نوع تنتمي هذه الزيارة؟
إن ما تريده أميركا من العراق، بالدرجة الأولى، هو الأمن، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، وحماية المصالح الأميركية، وتوسيع الاستثمارات.
أما ما يريده الشعب العراقي من أميركا فهو الدعم الاقتصادي والاستثمارات، وتطوير قطاع الكهرباء والطاقة، والدعم السياسي والأمني، وتعزيز مكانة العراق الإقليمية.
إن التاريخ لا يتذكر الابتسامات أمام الكاميرات، بل يتذكر ما عاد به القادة إلى شعوبهم. فإذا وجد المواطن العراقي، بعد عام، كهرباءً أفضل، وفرص عمل أكثر، ودولة أقوى، فسيقول إن الزيارة كانت ناجحة. أما إذا بقي كل شيء على حاله، فستبقى الصور أجمل من النتائج.
فإذا صدقت نوايا ترامب، ودخلت أميركا بقوة إلى العراق كحليف وشريك، فسوف يتضاعف دخل العراق من النفط، وستُعمّر مدن العراق المحتاجة إلى التعمير، وقد يصبح العراقي مع أميركا كفيتنام واليابان.
هذه فرضية سياسية ممكنة، لكنها تعتمد على تحقق سلسلة طويلة من الشروط، وليس على عامل واحد فقط. ولو أردنا تحليلها بهدوء، فيمكن تقسيمها إلى عدة نقاط:
- العلاقة مع تركيا والمياه
إذا أصبحت العلاقة الأميركية-العراقية قوية واستراتيجية، فمن المحتمل أن تزداد قدرة بغداد التفاوضية مع أنقرة. فتركيا تأخذ في حساباتها موقف واشنطن، وقد يؤدي ذلك إلى اتفاقات أفضل بشأن إدارة مياه دجلة والفرات. لكن من غير الواقعي توقع عودة المياه إلى "سابق عهدها"، لأن جزءًا من المشكلة يعود إلى السدود التركية الكبيرة، والتغير المناخي، وانخفاض الأمطار في المنطقة، وازدياد الطلب على المياه داخل تركيا نفسها.
أي أن التحسن ممكن، لكن العودة إلى مستويات سبعينيات القرن الماضي ليست مضمونة.
- زيادة دخل العراق النفطي
فإذا تحقق الأمن والاستقرار السياسي، فسوف تتوسع الاستثمارات الأجنبية، وسترتفع الطاقة الإنتاجية للنفط والغاز، وستقل كلفة الإنتاج والنقل، وقد يتم استثمار الغاز المصاحب بدلاً من حرقه، وهو وحده يمكن أن يضيف مليارات الدولارات سنويًا.
فماذا سوف يتغير لو أصبحت الكهرباء في العراق متوفرة أربعًا وعشرين ساعة في اليوم؟ لن تتغير الإنارة فقط، بل سيتغير وجه العراق كله. ستدور المصانع، وستزدهر المزارع، وستنتعش الأسواق، وستزداد الاستثمارات، وستقل البطالة، وسترتفع قيمة العقار، وستتحسن الخدمات، وسيبدأ الشباب بالتفكير في بناء مستقبلهم داخل العراق، لا خارجه.
فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل هي العمود الفقري للحضارة الحديثة. وإذا عاد هذا العمود إلى العراق، فقد يبدأ معه عصر جديد.
لكن كل ذلك لن يتحقق تلقائيًا بمجرد بدء الدعم الأميركي الحقيقي، وأي دعم خارجي آخر. لأن كل شيء في العراق مرتبط بالإدارة، والفساد، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتنويع مصادر الطاقة، واستثمار الغاز المحلي الذي يُهدر جزء كبير منه بالحرق. فالدعم الخارجي قد يسرّع الحل، لكنه لا يغني عن الإصلاح الداخلي.
فهل يمكن أن يصبح العراق مثل اليابان أو فيتنام؟ هنا يجب التفريق بين طبيعة التجربتين.
فاليابان أصبحت حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، لكن نجاحها اعتمد أولاً على الانضباط، والتعليم، والصناعة، والإدارة، وليس على الدعم الأميركي وحده.
وفيتنام كانت عدوًا للولايات المتحدة، ثم تحولت إلى شريك اقتصادي، لكنها قامت بإصلاحات اقتصادية عميقة، وفتحت أبواب الاستثمار، وحافظت على استقرار القرار السياسي.
إذن، فإن العامل الأميركي كان مساعدًا، لكنه لم يكن السبب الوحيد.
ليس هناك سبب يمنع العراق من أن يصبح خلال عقد أو عقدين أحد أقوى اقتصادات الشرق الأوسط، لأنه يمتلك ثاني أو ثالث أكبر احتياطي نفطي في المنطقة، وثروات غازية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وأرضًا زراعية واسعة، وموارد بشرية شابة.
أما إذا اقتصر الأمر على تحالف مع أميركا دون إصلاح داخلي، فمن المرجح أن تكون النتائج محدودة، لأن التحالفات الخارجية لا تستطيع وحدها تعويض ضعف مؤسسات الدولة.

