لا أنسى كيف بدأت علاقتي بهذه الجريدة؛ فإيلاف هي التجربة الأولى التي أنشر فيها مقالاً من دون أن أعرف فيها أحداً. أرسلت المقال، وكنت حينها أطبع بإصبع واحد مباشرة على الإيميل، وأحياناً يفشل الإرسال، فأفقد المقال كله. نُشر ذلك المقال الأول في قسم «أصداء»، وكأنما كان اختباراً للمساحة والحرية. لم يطل انتظاري بعدها؛ فبمجرد إرسال المقال الثاني، نُقلت مباشرة إلى «كُتّاب إيلاف». كانت تلك اللحظة السعيدة بوابتي الأولى للنشر المتواتر، فقد منحتني هذه الجريدة صوتاً، بل صوتاً مسموعاً، قبل أن أصبح لاحقاً جزءاً من كيانها ومطبخها الداخلي.
عُرفت ككاتب مقال رأي من خلال إيلاف، وكان يُعاد نشر مقالاتي منها، التي تخص الشأن السوري، في كل المواقع السورية المعارضة للنظام، ربما ليس لأهمية ما أكتبه، بل لأن الكتّاب الذين كانوا يكتبون بنبرة عالية ضد النظام البائد كانوا قلة. شكّلت إيلاف بيئة مثالية للنشر، فالصحف والمواقع التي كانت تنشر مقالات تنتقد النظام البائد في ذلك الحين تكاد تُعد على أصابع اليد الواحدة.
حين بدأ شغفي بالنشر الإلكتروني، والذي ما زال مستمراً حتى اليوم، سجّلت رسالة ماجستير في الصحافة، واخترت إيلاف حالةً للدراسة، ولم يكن غيرها يستحق هذا الاعتبار كصحافة إلكترونية أو «أونلاين»، فقد كانت نافذة على عالم نشر جديد؛ جريدة ليبرالية تعرف خطوطها الحمراء القليلة، وتشكل مساحة واسعة للتعبير عن الرأي في السياسة والمجتمعات والأدب، من دون محاذير معقدة. بالطبع، لم أجهل من يقفون خلفها؛ فلا العمير، الناشر ورئيس التحرير، كان مجهولاً، ولا رؤساء الأقسام، ولا المحررون والمراسلون.
ومن خلال ما كنت أعمل عليه في رسالتي، نشرت فيها أول تقرير بحثي حول مقارنتها، من حيث عدد القراء، بالصحف العربية الكبرى: الشرق الأوسط، والحياة، والأهرام، مستخدماً أدوات تقنية للمقارنة الرقمية. وشكّل ذلك مفاجأة للناشر والعاملين فيها، لأنه بيّن موقعها في صحافة «الأونلاين» بأدوات رقمية، في مقارنة جديدة على البحث الصحفي. وحين طلبت اسم مستخدم للدخول إلى بياناتها الداخلية من أجل دراستي، تفاجأت بأنهم أعطوني اسماً بصلاحيات كاملة، قادراً على حذف الجريدة نفسها. كانت تلك من أثمن مواقف الثقة التي تلقيتها في حياتي كلها. بالطبع، كانوا يستطيعون استعادة الجريدة لو حذفتها، لكنني كنت قادراً على حذفها.
ناصر الغنيم: المرة الأولى
لا يمكنني الحديث عن إيلاف من دون أن أنحني لذكرى ناصر الغنيم، الذي كان مديري لمدة سبع سنوات، وصديقاً حتى رحيله. تعارفنا عبر مقالات الرأي، وحين عرف أنني مقيم في الرياض، دعاني بإلحاح إلى لقائه. قلت له ساخراً: «يخوي، أنت مدير، وأنا ما أقف على أبواب المدراء»، فأجابني: «زين، دلّني على بيتك وأنا أقف على بابك». زرته في مكتب إيلاف بسوق الأندلس عام 2006، وتناولنا الغداء معاً، ومنذ تلك اللحظة صار «البارحة» عمراً بأكمله.
لاحقني الغنيم من أجل العمل في إيلاف، وكنت حينها «تاجر جرابات» في الرياض، ولم أكن مهتماً بأي دخل من الكتابة، لكن حين انتقلت إلى الإسكندرية قبلت عرضه. ما زالت تلك اللحظة، بعد عشرين عاماً، لحظة لا تُنسى، ولن تتكرر إلا مع إيلاف. جاء الغنيم بعقد عمل، وقال لي: أنا وقّعت، وتركت خانة الراتب فارغة، ضع راتبك. ارتبكت، وما زلت حتى اليوم أتذكرها بوصفها إحدى لحظات الارتباك في حياتي، فلم يسبق لي العمل موظفاً في أي جهة.
بعد نقاش ساخر بيننا، قلت له: هل هذا الرقم مناسب؟ فالباحثون عن الثروة يجدونها في الرياض، في التجارة، أما أنا فسأضع دخلاً يكفيني في الإسكندرية. كنت مرتبكاً، ولم يخطر ببالي أن أُمنح هذا الخيار في مؤسسة عربية. زاده حينها بضع مئات من الدولارات، ليصبح معادلاً لرواتب الموظفين الحكوميين السعوديين من جيلي.
كان من شروطي للوظيفة ألا أحضر اجتماعات التحرير، وألا أتلقى أمراً من أحد سواه، وألا أكتب بطلب، فقال لي: «يا ابن الحلال، وقّع، ما عندك أحد». كان ناصر ليبرالياً حقيقياً، صوتاً هادئاً وحازماً، ومعه كنت أفتح الدفاتر وأقول رأيي في كل شيء عن السعودية.
بقينا على تواصل حتى رحيله، وكان في كل اتصال يسأل: «لازمك شيء؟ ترى حنّا إخوان، لا تنحرج مني»، وكان ردي الدائم: «ما لازمني غير سلامتك يا أبو عبد العزيز». حين عدت إلى السعودية بعد عقد من مغادرتي الوظيفة في إيلاف، وعندما قررت المغادرة إلى عُمان، حاول ثنيي قائلاً: «ترى إذا تبي وظيفة ندبّرك بمكان، بس اصبر عليّ». ضحكت حين قلت له: «اللي يشتغل معك، وتكون أنت مديره، ما يقدر يتوظف في مكان آخر يا أبو عبد العزيز». كان ناصر الغنيم واحداً من نبلاء مرّوا في حياتي، وما زلت متفاجئاً برحيله وأبكيه.
عثمان العمير وريادة التطوير
بعد أن أصبحت موظفاً في إيلاف، تشابه اسمي مع اسم مسؤول الأخبار في الديسك من فلسطين، فهو اسمه خلف الخلف أيضاً، وما زالت له مواد منشورة تحت اسمي في إيلاف. كان العمير يحدثني مرات كثيرة: «أخ خلف، من نشر هذا الخبر؟ لماذا لم تثبتوا هذا الخبر؟ هذا التقرير يجب أن يُرفع إلى الرئيسية، وهذا التقرير كان يجب أن يكتمل...». كنت أرد عليه: «أنا خلف الرياض، ولست خلف فلسطين»، فيعتذر بكلمة.
وسأقولها بصراحة: حين كتبت وعملت في إيلاف، كنت أعتقد أن العمير مجرد واجهة صحفية ومموّل لهذه الجريدة، جاء من الشرق الأوسط بعد تاريخ حافل للتقاعد. وحين كنت أعرض مشاريعي لتطوير إيلاف على الغنيم، كان يقول لي: «أرسل للأستاذ، وأظنه يوافق...». عملت ما بوسعي لكي تكون إيلاف محطة القارئ العربي «أونلاين». ابتكرت مشاريع، منها «إيلاف ديجيتال» و«مدونات إيلاف»، وكانت تحظى بموافقة العمير بسهولة، فقد كان عقلاً مستقبلياً لمشروع الصحافة ووسائل النشر الرقمية.
كتبت في إيلاف بعد سنة وقليل من انطلاقها، لكن مضى عشرون عاماً على بدء رحلتي الوظيفية معها. لم تكن مجرد وظيفة عابرة، بل كانت المرة الأولى والأخيرة التي أضع فيها نفسي تحت مسمى «موظف». وحين أنظر اليوم إلى الوراء، بعد مرور ربع قرن على انطلاقة هذه الجريدة، أجدني أمام تجربة لا تُقرأ كأرشيف صحفي، بل كحالة استثنائية سبقت عصرها.
الرقابة في إيلاف
قبل أن أعمل في إيلاف لمدة سبع سنوات تقريباً، كانت كتاباتي فيها قليلة، لأن عملي لم يكن له علاقة بالكتابة، بل بالبحث في الصحافة الإلكترونية، والتطوير، وابتكار المنتجات، وزيادة عدد القراء. كنت أكتب تقارير دورية، وأضعها في نظام النشر مع الصور الدقيقة للرسوم البيانية، ورغم أنني كنت قادراً على نشرها بموجب الصلاحيات الممنوحة لي، فقد كنت أتركها حتى يأتي المختص بالنشر في هذا القسم، ويجيزها ويقرر مصيرها.
كانت التقارير التي أكتبها عن إيلاف، بوصفها وسيلة نشر إلكترونية، تحظى بالاهتمام، لأنها باب جديد لم يألفه العاملون في الصحافة الإلكترونية. لم يمارس أحد الرقابة على ما أكتب، ولم يعدّلوا لي شيئاً، لا في التقارير ولا في مقالات الرأي. كنت أكتب من دون رقيب داخلي أو خارجي، سوى مرتين عدّل فيهما الصديق العزيز عبد الرحمن الماجدي جملة في مقال، ومرة عنواناً، وفي المرتين شكرته لأنه كان مصيباً. وطبعاً، كانت في إيلاف مدققون لغويون في زماننا.
مدرسة في احترام الاختصاص
لقد كانت «إيلاف» بيئة مثالية لم أعرف لها مثيلاً؛ جوهرها الاحترام المطلق للمسؤوليات. في مؤسساتنا العربية، غالباً ما تتداخل الأدوار، لكن في «إيلاف» كان لكل اختصاص حرمته. لم يكن الناشر ورئيس التحرير، ولا رؤساء الأقسام، ولا المدير الإداري، ليتعدّوا على مسؤوليات موظف آخر.
فحين كنت أضع مقال رأي في نظام النشر، وكنت أمتلك الصلاحيات لنشره، كنت أنتظر حتى ينشره الماجدي، وحين أضع مقالاً في قسم الثقافة، أنتظر حتى ينشره الجنابي، وحين يتعلق الأمر بالمدونات أو «إيلاف ديجيتال»، التي لم تعمّر طويلاً، كانوا يرسلون إليّ. هذا المناخ المهني النادر هو ما جعل العمل فيها «فخاً جميلاً»؛ فمن اعتاد هذه الاحترافية، وهذا الاحترام للذات وللمسؤولية، يصعب عليه أن يجد مكانه في أي مكان آخر.
لقد كانت إيلاف فاتحةً لعصر صحافة «الأونلاين» في وقت كانت فيه الصحف لا تزال أسيرة الورق والأحبار. كانت هي أول جريدة إلكترونية في العالم غير مرتبطة بوسيلة إعلام فيزيائية، وهي حقيقة أعتز بأنني طالبت بتوثيقها في ترويستها. قدمت لها كل ما أملك من حب، وقدّم لي ناشرها وهيئة تحريرها بيئة عمل آمنة، ومحترمة، ومرنة، ومستجيبة لكل ابتكار.
الباحث في مختبر «إيلاف»
لم يكن عملي في «إيلاف» صحفياً بالمعنى التقليدي، بل كنت باحثاً مسؤولاً عن الأبحاث في الصحافة الإلكترونية، وخلق المنتجات، وتعزيز «استقرار الزوار»، وإدارة الإحصاءات الداخلية، وتقديم تقارير منشورة وغير منشورة حول الأمر.
في تلك السنوات، عدّلنا اسم الشهرة من «موقع إيلاف» ليصبح «جريدة إيلاف»، بناءً على تقرير إحصائي قمت به عن إيلاف بوصفها مصدراً في وسائل الإعلام العالمية ذائعة الصيت، إذ برز اسمها في وسائل الإعلام التي تنقل عنها باسم «جريدة إيلاف» أولاً.
إيلاف تجربة لم تتكرر في حياتي. غادرت إيلاف موظفاً، وبقيت أنشر فيها، وكنت أرى القسم الثقافي مع عبد القادر الجنابي، وقسم الرأي مع عبد الرحمن الماجدي، وهما يوليان تدليلاً لما أرسله. ثم غابا، وبقيت سمر عبد الملك، مديرة تحريرنا التي لا يظهر اسمها إلا ما ندر. انتبهت إلى أنني خاطبتها، وأنا أرسل لها آخر مادة منشورة لي في إيلاف، بـ«أستاذتنا»، بينما كنت أخاطبها طوال الوقت بـ«العزيزة سمر». إنه عمر من الترحال، والذكريات، والوجوه، والأسماء.
إيلاف مدرسة رائدة ومثيرة للجدل، خرّجت أجيالاً من الصحفيين انتشروا في أصقاع الأرض. ورغم تدهور حال الصحافة الإلكترونية اليوم، التي تبدو وكأنها تمضي إلى زوال، وتغيّر الوجوه، فإن المودة بقيت، وظلت إيلاف بالنسبة إليّ هي «جريدتي»؛ المكان الذي بدأت فيه، والمكان الذي ما زلت أنتمي إليه.
رحل معظم الأصدقاء عنها، وتغيّرت الدنيا، لكن إيلاف تبقى شاهداً على زمن كان فيه العمل المهني بالنسبة إليّ يقوم على الثقة، والحرية، والاحترام. ربع قرن مرّ، ولا يزال صدى تلك التجربة يتردد في كل كلمة نكتبها.

