: آخر تحديث

الأحاجي العسيرة الحل

3
3
3

 

يصعب تفسير هذا الجنوح نحو تعميق الخصومة بين قيادات سياسية، وإرفاق التعبير عن هذه الخصومة بكلمات تعمِّق الجرح الذي لا يندمل، مثل قول النائب سامي الجميل، رئيس حزب "الكتائب" المقتنع بجدوى التفاوض مع إسرائيل، وهو في رحاب القصر الجمهوري ويتطلع إلى أن يكون، ذات فرصة، رئيساً للجمهورية، رداً على ممانعة رئيس "حزب الله" للتفاوض غير الواضح الشروط: "أنتم ورَّطتمونا بهذا الاحتلال وبهذه الحروب، وأقل ما يجب أن تفعلوه هو أن تخرسوا...". وهي عبارة تُقال في لحظات غضب اثنين في مقهى، أو يتلاسنان من خلال زجاج سيارة كل منهما، أو عندما يتجاوز سائق دراجة نارية الأصول، فينال من شديد الملاحظة الكلامية ما يجعله، رداً على ذلك، يقول: "اخرس يا ابن...".

في عالم السياسة والتحزُّب، من الطبيعي أن تكون وجهات نظر هذا الطيف متعارضة مع الطيف الآخر. وتفادياً لتحوُّل التعارض إلى خصومة، يلتقي هذا الطيف مع ندِّه، الطيف الآخر، ويحاول الاثنان التفاهم على رؤية مشتركة، وإن هي في الحد الأدنى. هذا من حيث المبدأ. وأما إذا كانت الدولة، برئاساتها الثلاث: الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، تفضِّل احتواء الصراع الذي لا جدوى منه، فإن كلاً من الرموز الأقطاب الثلاثة يبذل من السعي ما أمكن لاحتواء الخصومة. وإلا، فما معنى أن النظام في لبنان ديمقراطي؟ ولأنه كذلك، فإن تسوية المستعصي من الخلافات في المواقف، أو حتى في وجهات النظر، أمر مأخوذ به كقاعدة، إلا لدى الأطياف الحزبية التي تجعل من الحلول الممكنة أحاجي يستحيل فك رموزها.

زيادة في التوضيح، يجد المرء نفسه يتساءل: ما دام كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يستقبلان قيادات حزبية، ويتباسط الطرفان في الحديث حول المعضلة اللبنانية، بأمل التوصل إلى صيغة تعامل متوازنة مع المعتدي الإسرائيلي، فما هو الذي برسم التحريم أن يبادر الأمين العام لـ"حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، بزيارة، مترئساً قياديين ونواباً في الحزب، إلى رئيس كل اللبنانيين جوزاف عون؟ إن اعتراض الحزب على رؤى سياسية يطرحها رئيس الجمهورية، وينشط عربياً ودولياً من أجل أن تتحقق، لا يعني ما لا يجيز تلك الزيارة. ونقول ذلك على أساس أن التباين في الموقف لا يلغي الأصول والتقاليد، ولا أهمية النقاش في شأن مواقف مستعصية.

هنا تستوقفنا زيارة الدكتور سمير جعجع يوم الجمعة 10 حزيران 2026، وكيف أن ما قاله لمناسبة زيارته للرئيس عون كان خالياً من الحدة التي اتسم بها كلام رئيس حزب "الكتائب" سامي الجميل، وأشرنا إليه، مع كثير من الاستغراب، في سطور سابقة.

ومما يستوقف ما قاله الدكتور جعجع بعد انتهاء الزيارة اللائقة لرئيس البلاد: "لا يمكن أن يبقى لبنان في المجهول، ويجب أن تنسحب إسرائيل من الجنوب، وأن تحصل إعادة الإعمار. ولكن لا بد من قيام دولة ليتحقق ذلك. علينا طرد إسرائيل وترميم الجنوب، ولكن لن يحصل أي شيء منهما إلا إذا أقمنا دولة فعلية...". وبالتوجه الذي طالما أوجزه الرئيس عون بعبارات متنوعة، نرى الدكتور جعجع يقول: "ما حدا منا مغرم باتفاق الإطار، لكن لا حل لدينا في الوقت الحاضر إلا المفاوضات...".

لم يسمِّ المقاومة ولا "حزب الله" بالاسم، وصوَّب مفردات على إيران بلمزة تمثلت بقوله: "ليس الحزب من يقرر ما يجب أن تفعله الدولة...". هذا هو المأمول حدوثه من الأمين العام لـ"حزب الله"، وعلى نحو زيارة متفهِّم لظروف المقاومة حزباً وسلاحاً وطائفة، ونعني بذلك وليد جنبلاط الذي، بعد زيارة للرئيس عون، نراه يزور مقر لبنان للقيادة العسكرية، متشاوراً، ومبدياً بكل هدوء اعتراضات لديه، وموضحاً أسلوباً للتعامل العسكري مع "حزب الله"، خصوصاً بعدما بات الحضور العسكري الأميركي في الجنوب جزءاً من الحالة المستعصية.

في حال بدلاً من الإدلاء بالتصريح تلو التصريح، والتي عبارات الشيخ نعيم قاسم فيها متشابهة، يتوجه إلى مقر رئاسة الجمهورية، فيؤدي بذلك واجب التحية التي لم يفعلها منذ سنة، ويقول ما يقوله بعبارات غير التي نسمعها منه، ثم يُتبع زيارة الرئيس عون بزيارة العماد هيكل في مقره القيادي الذي زاره كمال جنبلاط. وفي هذه الحال، سينشأ مناخ سياسي ديمقراطي يخفف، على الأقل، من عبارات تُقال ماضياً وحاضراً ودائماً، لا تغيِّر من واقع الحال شيئاً.

وفي ضوء ذلك، لا يعود مفاجئاً، ما دام أقطاب الأحزاب المتناكفة قد جعلوا من الرئيس عون مرجعية وطنية ومبدئية لهم، أن يرى رئيس البلاد، وبعد تجوال دولي - عربي رحب قام به، ستكون محطته الجديدة فيه البيت الأبيض تلبية لدعوة من الرئيس ترمب، دعوة هؤلاء الأقطاب وأطياف سياسية ذات خبرة في الخيارات التوفيقية إلى لقاء تشاوري في القصر الجمهوري، يخرج بصيغة تفكك بعض الشيء الأحاجي المستحيلة. وبذلك تهدأ حال الوطن، شعباً ونظاماً، وفق معايير محسوبة بدقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.