بعض القرارات أو الأوامر الملكية يأتي تعبيراً عن وجهة نظر، وعن فلسفة في التعامل، وعن منهج في الحياة العملية، أكثر منه مجرد قرار بين قرارات شبيهة، أو أمر ملكي بين أوامر ملكية مماثلة.
في القلب من ذلك نجد الأمر الملكي الصادر عن خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، بضم وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى وزارة الطاقة، ليتولاهما معاً الأمير عبد العزيز بن سلمان الذي كان وزيراً للطاقة إلى ما قبل صدور الأمر الملكي.
هذا الأمر الملكي يعيدنا مباشرة إلى مبدأ عام كان الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، قد رفعه منذ أن تولى ولاية العهد، وكان المبدأ من كلمتين اثنتين، هما: «كفاءة الإنفاق». أما معناه -أو معناهما- فكان أن في مقدور الحكومة في الرياض أن تُنفق مائة ريال مثلاً على وجه من وجوه الإنفاق تختاره، فتحقق بالمائة ريال النتيجة نفسها التي كانت قد تحققت من قبل بمائتين.
وبهذا المعنى يمكن تعميم المبدأ على كل وجوه الإنفاق العام، التي سيكون للحكومة فيها أن تنفق أقل على الشيء نفسه الذي كان قد استحوذ على إنفاق أعلى من قبل، ولكن الحصيلة المتحققة ستكون هي نفسها في الحالتين.
والمعنى الأبعد أن كل إنفاق عام ينطوي على نسبة من الهدر بالضرورة، فإذا جرى تقليل هذا الهدر إلى حده الأدنى، أو ليكون عند الدرجة «زيرو»، فسوف يكون مبدأ «كفاءة الإنفاق» قد تحقق على الصورة التي أرادها ولي العهد، حين أسس للمبدأ، ثم حين أطلقه في الحياة العامة بالبلاد.
وربما نذكر هنا أن وزارة الطاقة السعودية كان اسمها في السابق وزارة البترول، فلما جرى التفكير في تعديل اسمها لتكون وزارة للطاقة في عمومها، لا للبترول في خصوصه، كان ذلك نوعاً من التوجه نحو «كفاءة الإنفاق» كمبدأ لا بد من أن يكون حاكماً لكل وجوه العمل العام، وكذلك لكل وجوه الإنفاق في هذا العمل العام.
كان تغيير الاسم يريد أن يقول: إن الطاقة كاسمٍ تظل أوسع من البترول أو النفط وأشمل، وإن توسيع مظلة الاسم يمنح الوزارة المعنية مساحة ممتدة من العمل، ويجعل التنوع في النظر لمصادر الطاقة أساساً حاكماً، ويؤسس لتنويع مصادر الدخل للدولة، فلا تتوقف عند حدود النفط فقط، ولا تتجمد عند نطاق البترول فحسب.
ولو أن أحداً راجع الأرقام في هذا الملف، فسوف يجد أن مصادر الدخل العامة في الرياض تتحلل شيئاً فشيئاً من الاقتصار على ما يأتي من تصدير النفط، وتزحف أكثر وأكثر نحو مصادر أخرى لم يكن لها ذِكر من قبل، ومن بينها الدخل القادم للخزينة العامة من السياحة على سبيل المثال.
إن المملكة تضم كثيراً من المناطق التراثية التي تستهوي السائح، وكلها مناطق يجد فيها السائح المهتم بغيته إذا وجد طريقه إليها، ولكنها مناطق لم تكن محل انتباه بما يكفي في مراحل سابقة، فلما جرى استحداث مبدأ «كفاءة الإنفاق»، جاء معه بالتوازي مبدأ «تنويع مصادر الدخل»، فتحقق من السياحة ما لم يكن في الخاطر ولا في الحساب.
ولا يأتي الأمر الملكي بضم الصناعة والثروة المعدنية إلى وزارة الطاقة، إلا في السياق ذاته، ولو قلنا «السباق» بدلاً من «السياق» ما اختلف واقع الحال؛ لا لشيء إلا لأن بين الأمم سباقاً في الطريقة التي يمكن بها توظيف كل ثروة في مكانها الصحيح.
فالنفط في بدء تسمية الوزارة المختصة به، ثم الطاقة في مرحلة ثانية من التسمية، ثم الصناعة والثروة المعدنية، كلها كما نرى عنوان لشيء واحد تقريباً، وإذا لم يكن العنوان واحداً فالمضمون متقارب بين التسميات الثلاث، أو متشابه، وما دام كذلك، فإن وضعه تحت عنوان واحد، ومسؤولية متصلة لوزير واحد، هو من قبيل العمل تحت سقف واحد يضم الأشياء الثلاثة معاً، ويعمل على تعظيم المتحقق منها في آن.
كان الحديث عن مبدأ «كفاءة الإنفاق» قد انحسر قليلاً في فترة ما بعد استقراره كمبدأ حاكم، وكان تداوله في الإعلام قد تراجع بعض الشيء، وعندما صدر الأمر الملكي بضم الوزارتين، بدا أن انحسار الحديث عن المبدأ لا يعني أنه لم يعد موجوداً أو فاعلاً، وأن تراجع تداوله إعلامياً لا يعني أنه ليس معتمداً في كل إنفاق عام، أو في كل تفكير في الإنفاق العام، وإنما المعنى كان أنه قائم ماثل، وأنه يتجلَّى حين تدعو الضرورة إلى تجلِّيه، وهذا ما سوف نراه لو أننا راجعنا أمر ضم الوزارتين، ثم راجعنا عائد ضمهما المرتقب في الأفق المنظور.
عندما جرى الإعلان عن مبدأ «كفاءة الإنفاق» في حينه، وعندما جرى تداوله في وقته، كان المعنى أن الإنفاق العام مدارس، وأن هذه هي مدرسته في الرياض.

