يأتي تأكيد وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيف المملكة عند مستوى «+A» مع نظرة مستقبلية مستقرة، انعكاسًا لقوة المركز المالي للمملكة، مدعوماً باحتياطيات مالية كبيرة.
وما ساهم أيضًا في هذا التقييم الائتماني المرتفع، مستويات الدين الحكومي وصافي الأصول الأجنبية السيادية للمملكة التي تُعد أقوى بكثير من متوسطات الدول المصنفة ضمن فئتي «A» و«AA».
وأشارت الوكالة إلى أن الاقتصاد السعودي والمالية العامة قد أثبتا قدرةً عالية على الصمود، رغم الأوضاع الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، مدعومين بمتانة الأنشطة غير النفطية وقوة المركز المالي للمملكة.
وتوقعت الوكالة تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 0.6 % خلال عام 2026، على أن ينتعش في عام 2027، إذ تتيح عودة تدفقات الملاحة عبر مضيق هرمز زيادة إنتاج النفط والبتروكيماويات، ما سيسهم في أن يعود إلى معدل نمو بنسبة 2.9 % بحلول عام 2028.
وقد عَكس هذا التصنيف الائتماني النوعي للمملكة قدرتها على توظيف بنيتها التحتية الاستراتيجية في قطاع الطاقة لضمان استمرارية صادراتها النفطية، من خلال الاستفادة من خط أنابيب شرق–غرب كبديل تشغيلي فعّال عزز من مرونة الإمدادات عبر موانئ البحر الأحمر، وخفف من آثار التحديات التي واجهت بعض الممرات البحرية الحيوية. وفي الوقت نفسه، أبرز هذا النهج الرؤية الاستراتيجية للمملكة في تنويع مسارات تصدير النفط، وترسيخ مكانتها مورداً موثوقاً للطاقة، وتعزيز ثقة الأسواق والمستثمرين. وفي هذا السياق أوضحت الوكالة أن استمرار تدفقات النفط عبر خط الأنابيب الشرقي-الغربي ساعد كذلك في الحفاظ على الإنتاج خلال فترة الحرب، مع توقعات بزيادة الإنتاج تدريجياً بعد إعادة فتح المضيق لتلبية الطلب العالمي وإعادة تكوين المخزونات المحلية، إلا أن متوسط الإنتاج السنوي وفقًا لتوقعات الوكالة سيبلغ نحو 9 ملايين برميل يومياً، وهو أقل من مستويات عام 2025.
كما عَكس التقييم أن تعامل المملكة مع التوترات الجيوسياسية لا يقتصر على إدارة آثارها المحتملة، بل يمتد إلى تحويل التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد إلى فرص لتعزيز الجاذبية الاستثمارية ورفع تنافسية الاقتصاد، من خلال تعزيز البنية اللوجستية، وتسهيل الإجراءات التجارية والجمركية، وتنويع المسارات والمنافذ. وقد تأكد ذلك من خلال قدرة الاقتصاد السعودي على التعامل مع التحديات العالمية وتحويلها إلى فرص تدعم النمو الاقتصادي، وتعزز من مكانة المملكة كمركزاً اقتصادياً ولوجستياً عالمياً. كما وأسهمت الإصلاحات الهيكلية في إطار رؤية السعودية 2030 بشكل ملموس في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد في القطاعين النفطي وغير النفطي، من خلال توطين الصناعات، وتنويع مسارات التجارة، وتوسيع الشراكات التجارية، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية.
وفي ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي من تصاعد في المخاطر الجيوسياسية وحالة عدم اليقين المرتبطة بها، تواصل المملكة تكييف اقتصادها للتعامل بكفاءة مع التحديات العالمية، وتعزيز أسس الاستقرار والنمو والاستدامة. ويأتي ذلك بفضل النهج الاستباقي والمدروس الذي تتبناه الحكومة، إلى جانب التخطيط المالي طويل الأجل، الذي لا يقتصر على الاستجابة للأزمات، بل يركز على بناء سياسة مالية مرنة وقادرة على امتصاص الصدمات. وفي موازاة ذلك، تواصل المملكة متابعة التطورات الإقليمية والدولية، وتوظيف أدواتها المالية والاقتصادية بكفاءة للحد من آثار المتغيرات الخارجية وتعزيز استقرار الاقتصاد الوطني. وقد أسهمت قوة مركزها المالي واستقرار نظامها المالي في تمكينها من التعامل مع هذه التطورات من موقع قوة وثقة.
كما أسهمت الاستثمارات في البنية التحتية والقطاعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الخدمات اللوجستية والأمن الغذائي، في رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز انسيابية حركة التجارة، بما عزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة المتغيرات العالمية. وأسهم كذلك في الحفاظ على استقرار توافر السلع الأساسية، والحد من الضغوط التضخمية، وتعزيز الأمن الاقتصادي للأفراد والأسر.
وتعمل الحكومة حاليًا على تنفيذ وعاء تأميني يستهدف معالجة الارتفاع في تكاليف التأمين والمخاطر المرتبطة بالشحن البحري، بما يسهم في توفير آلية أكثر استقرارًا للتعامل مع مخاطر الشحن، وتخفيف أثر ارتفاع تكاليف التأمين على المستوردين والمصدرين، ودعم استمرار تدفق السلع وسلاسل الإمداد، وتقليل انعكاس تكاليف الشحن والتأمين على القطاع الخاص والمستهلكين.
وضمن إطار التقييم الائتماني للمملكة، فقد أكدت المؤسسات والمنظمات الدولية ووكالات التصنيف والمستثمرون الدوليون، خلال الأزمة الجيوسياسية، أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرةً عالية على مواجهة الصدمات الخارجية، مدعومًا بالإصلاحات الهيكلية وقوة الطلب المحلي. وفي هذا السياق، أكدت وكالة موديز في يونيو 2026 تصنيف المملكة عند «Aa3» مع نظرة مستقبلية مستقرة، وأكدت وكالة ستاندرد آند بورز في مارس 2026 تصنيف المملكة عند «A+» مع نظرة مستقبلية مستقرة، وأعادت وكالة فيتش في يوليو 2026 تأكيد تصنيفها الائتماني للمملكة عند «A+» مع نظرة مستقبلية مستقرة، بما يعكس ثقة المؤسسات الدولية بمتانة الاقتصاد السعودي وقوة مركزه المالي وقدرته على مواجهة المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.
وتشير التوقعات إلى استمرار زخم النشاط الاقتصادي، مدفوعًا بقدرة الحكومة على مواصلة اتخاذ إجراءات مباشرة لدعم التجارة والخدمات اللوجستية ومختلف الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

