: آخر تحديث

واقعة «الذكاء الاصطناعي» وإخفاق خطاب التخويف

2
2
2

لو عُدنا إلى السجالات المحتدمة بين المثقفين المحافظين والعلماء الاستشرافيين قبل عقدٍ من الآن لأدركنا أن العلم دائماً يفرض نظريّته كواقعةٍ لا مناص منها.

وهذا يصحّ على كل قصص التقدّم العلمية المفصليّة في التاريخ البشري، إذ سرعان ما يجد الإنسان نفسه في ورطةٍ غير متوقّعة؛ ليكتشف لاحقاً أن أحاديث المقاومة بوجه طوفان العلوم لم تكن إلا ضرباً من الهذيان، وإذا كان «العلم لا يفكّر» كما يقول هيدغر، فإنه بالمقابل يفرض عالمه ضمن حركة التاريخ وحيويّة التطوّر العلمي، ولسان الحال هذه هي المستجدات العلميّة وعليك أن تقبلها وتتعايش معها، ولكن بالتأكيد لن تستطيع صدّ الطوفان بمجدافٍ كسيح.

من هنا لفتني النقاش المتصاعد حالياً إذ لم يعد منصباً على الذكاء الاصطناعي بمفهومه فهو بين أيدينا ونعيش معه وربما نحن من نعيش معه، بل السؤال الأساسي يتمثّل في مستوى علاقات الإنسان بهذا الفتح العلمي الكبير.

وأضرب على ذلك نموذجين من التحليل لتتضح الصورة؛ الأول نموذج تحليلي عمَلي تمثّله مقالة غوتام موكوندا ونشرت بهذه الجريدة في 7 يوليو (تموز) الحالي بالاتفاق مع «بلومبرغ» بعنوان: «الذكاء الاصطناعي... الجمع بين الإنسان والآلة». فيه رأى أن: «كارل ماركس، عالم الاقتصاد الذي عاش في القرن الـ19، كان أول من لفت إلى تهديد الذكاء الاصطناعي للحافز المعنوي لدى الإنسان. ربما تكون قد سمعت عنه (نعم، أنا أقتبس من ماركس، بشكل إيجابي، داخل منبر رأسمالي). وبمجرد التخلص من كل الهراء المتضمن في آرائه (عمل ضخم بالتأكيد)، ستبقى لدى ماركس فكرة واحدة غاية في الأهمية، أطلق عليها اسم «الاغتراب»، وتدور حول أن التصنيع فصل العمال عن نتاج عملهم، وأن هذا يحول العمل من تعبير مُرضٍ عن إرادة العامل وإبداعه، إلى عمل لا معنى له».

النظريّة الثانية علميّة فلسفيّة كتبها الأستاذ خالد الغنامي في مجلة «المجلة» في 3 فبراير (شباط) 2026 بعنوان: «الذكاء الاصطناعي وحدود الحكم» رأى الكاتب أن: «الذكاء الإنساني لا يقتصر على حل المشكلات، بل يمتد إلى إعادة تعريفها. فالإنسان حين يعجز لا يكرر المحاولة بالطريقة ذاتها، بل يسأل من جديد إن كان السؤال نفسه صحيحاً. قد يغير غايته، أو يعيد النظر في قيمه، أو يكتشف أن ما ظنه مشكلة لم يكن كذلك أصلاً. هذه القدرة على مراجعة المعنى لا على تحسين الأداء فقط هي ما لا تستطيع المحكمة الذكية محاكاته، وهو مما يجلي عظمة الإنسان رغم كل ضعفه والخلل والقصور في كل أدواته المعرفية. من هنا لا يكون قصور الذكاء الاصطناعي مسألة تقنية مؤقتة، بل مسألة فلسفية أعمق. الخلل لا يكمن في ضعف الخوارزميات، بل في الفرضية التي تنطلق منها، وهي أن الذكاء يمكن فصله عن الحياة... فما دام الذكاء يفهم بوصفه عملية حسابية معزولة، فستبقى العدالة التي ينتجها ناقصة مهما بلغت دقتها».

تعليقي على هاتين المقولتين أجمله في أن الذكاء الاصطناعي بكشوفاته العلمية العالية لم يعد ترفاً؛ بل يمثّل ضرورة قصوى للعالم. وما كان هذا المجال مقتصراً على التداول العلمي المتخصص، وإنما دخل ورش النقاشات الفلسفية والأنثربولوجية والطبّية باعتباره كشفاً جديداً، بل وخضّة عالمية توازي ما حدث من قبل منذ اكتشافات الاتصالات والإنترنت في القرن الماضي إلى اليوم، وعليه فإن هذا المجال هو العلامة الكبرى على التطوّر العلمي وانعكاسه الدائم على البشر، والعلم صديق البشر دائماً.

نعم، إن المبالغة عند بعض المفكرين الغربيين وحتى العرب ونشر القلق من هذا الكشف المبين لم تصدّ هذا الواقع العلمي، فالدول تستثمر فيه ضمن أسسها وتقاليدها وأفكارها ورؤاها المستقبلية، بل علينا الترحيب بهذا المجال الخصب الذي أثق بأنه سيحقق فتوحات علمية وطبية، بل وزراعية وعسكرية فائقة.

الخلاصة: أن الذكاء الاصطناعي يمثّل ذروة تفوّق الإنسان في المجال العلمي، نعم ثمة مخاطر جمّة يمكن معالجتها على ضربيْن؛ أولهما: المجال الأمني بحيث تتمتع المؤسسات بممانعةٍ قويّة لأيّ تحدٍّ ربما يشوش على التقنيات المستخدمة، أو يتدخّل في المجال العام. ثانيهما: المجال الأخلاقي، وهذا دور موزّع بين التربوي المؤسسي في مجالات التعليم، ومن المهم محض تجربتنا مع هذا العلم بابتكار أسئلةٍ جديدة تمنحنا القدرة على تأمل مستقبلنا معه، أما إنكاره أو الاحتجاج عليه فلن يغيّر من راهنيّته شيئاً، بل أثبتت التجارب أنه نصير للإنسان وعوناً له على عكس ما توقّع البعض من المناوئين والخائفين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد