تأتي زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- إلى فرنسا في أغسطس 2026 لتؤكد أن العلاقات بين الرياض وباريس تتجه إلى مرحلة أكثر اتساعاً، تتجاوز التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية تشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والدفاع والثقافة والتكنولوجيا، وجاءت الزيارة بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في توقيت إقليمي ودولي حساس، ما منحها أهمية سياسية واقتصادية كبيرة.
شهدت الزيارة استقبالاً رسمياً لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في باريس، تلاه لقاء مع الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه، إضافة إلى ترؤسهما الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، وهو الإطار الذي تأسس عقب زيارة ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024 بهدف تنظيم التعاون في الملفات ذات الأولوية.
اقتصادياً، زيارة الأمير محمد بن سلمان ترسخ الاستثمار كأحد أهم محاور الزيارة، مع التركيز على تعزيز الشراكات بين الشركات السعودية والفرنسية، وتبادل الفرص الاستثمارية وتسهيل الاستثمارات المباشرة، وأعلنت الجهات السعودية والفرنسية عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات المالية وغيرها، بما يعكس اتجاهاً نحو تحويل العلاقات الاقتصادية إلى مشروعات عملية ومستدامة.
كما حظيت ملفات الطاقة والنقل والصحة باهتمام واضح، إلى جانب التعاون الدفاعي والأمني والتقني. ويأتي ذلك في إطار توافق بين القدرات الفرنسية في التكنولوجيا والصناعة والتمويل والابتكار وبين مستهدفات رؤية السعودية 2030 لتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات ونقل المعرفة. وتشير البيانات المطروحة خلال منتدى الاستثمار إلى أن رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في المملكة بلغ 16.3 مليار يورو في 2024.
ولم تقتصر الزيارة على الاقتصاد؛ فقد حضرت الملفات السياسية الإقليمية بقوة، خصوصاً القضية الفلسطينية وحل الدولتين وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، إلى جانب التعاون في مكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود والأمن السيبراني. ويعكس ذلك رغبة البلدين في تنسيق مواقفهما بشأن الأزمات الدولية والإقليمية، والاستفادة من ثقلهما الدبلوماسي في دعم الحلول السياسية.
ثقافياً ورياضياً، حملت الزيارة بعداً لافتاً من خلال حضور سمو الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- والرئيس الفرنسي ماكرون ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، في حدث يجسد تنامي التعاون في الرياضة والثقافة والصناعات الإبداعية. كما أعلنت السعودية إنشاء مركز ثقافي في باريس، بما يعزز التواصل الحضاري بين الشعبين.
في المحصلة، زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- إلى فرنسا محطة مهمة في مسار العلاقات السعودية الفرنسية؛ إذ جمعت بين السياسة والاقتصاد والثقافة، ورسخت انتقال الشراكة من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ والمشروعات. والأهم أنها فتحت آفاقاً جديدة أمام الاستثمارات والتكنولوجيا والطاقة والتعاون الثقافي، بما يخدم مصالح الرياض وباريس ويعزز حضورهما المشترك في القضايا الإقليمية والدولية.

