: آخر تحديث

فليشربوا البنزين

4
3
1

هناك عبارة يكررها المدافعون عن النظام الإيراني هذه الأيام بكثير من الثقة، وكأنها الحجة التي يفترض أن تنهي أي نقاش حول أحوال إيران: "البنزين في إيران أرخص من الماء".

يرددونها بفخر، إذ يكررها محللون إيرانيون يدورون، بدرجات متفاوتة، في فلك الحرس الثوري. تختلف وجوههم ولهجاتهم ومستوى نزعتهم الهجومية وتشددهم، لكن الـ talking points تكاد تكون واحدة: البنزين أرخص من الماء، والشعب ملتف حول النظام، وإيران عصية على الانهيار، وثلاثة وتسعون مليون إيراني مستعدون للموت دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية وعن مرشد جديد لم تظهر ملامحه بعد.

مشكلة إيران ليست في انخفاض سعر البنزين، إذ أصبح أقل من الماء. المشكلة تكمن في النظام الذي أدى إلى تدني سعر البنزين وارتفاع تكاليف الحياة نفسها بشكل فاحش، ثم يطلب هذا النظام من المواطن الإيراني أن يشكره على ذلك.

ففي إيران التي يتباهى أبواقها بأسعار المحروقات المنخفضة، بلغ التضخم السنوي، وفق الأرقام الرسمية الإيرانية، نحو 66 بالمئة في تموز 2026، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 128 بالمئة مقارنة بالعام السابق. والمفارقة أن إيران، الدولة النفطية التي بنت جزءًا من شرعية نظامها على الطاقة الرخيصة، تواجه أيضًا عجزًا يوميًا في البنزين بنحو 15 مليون ليتر.

لكن لا بأس. البنزين لا يزال رخيصًا.

ماذا يفعل الإيراني بليتر البنزين الرخيص إذا كان ثمن طعامه يتضاعف؟ هل يشربه؟ هل يطعمه لأولاده؟ أم أن المطلوب منه أن يشكر الثورة الإسلامية لأنها جعلت خزان الوقود في سيارته أرخص من مائدة الطعام في منزله؟

هذه ليست قراءة اقتصادية بقدر ما هي مدخل لفهم عقلية النظام وأبواقه. فالمواطن، حسب هذه العقيدة، ليس فردًا يتمتع بحقوق ولديه تطلعات، بل هو مادة بشرية تخدم مشروعًا أكبر منه. وحين يقول محلل تابع للحرس الثوري إن 93 مليون إيراني مستعدون للموت دفاعًا عن النظام، لا يكون السؤال من أين أتى بهذا الرقم، بل: متى أجرى الاستفتاء؟

كيف اكتشف أن شعبًا بكامله يريد الموت، فيما لا يسمح له النظام أصلًا بأن يختار أسلوب حياته بحرية؟

أما التناقض هنا فيتجلى في أن هؤلاء الذين يُقسمون اليوم بأن 93 مليون إيراني مستعدون للموت دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية لن يترددوا غدًا في اتهام الملايين منهم بالخيانة إذا انتفضوا في الشارع. هكذا، يكون الشعب الإيراني، بمفهوم هؤلاء، عظيمًا ومقاومًا وأصيلًا ما دام يلتزم الصمت. لكنه إذا طالب بالحرية يصبح عميلًا للموساد، وإذا احتج على الفقر يصبح أداة لواشنطن، وإذا طالبت امرأة بحقوقها تصبح جزءًا من حرب ثقافية غربية.

في قاموس الحرس الثوري، الشعب مقدس فقط عندما يصفق لهم.

أما تفسير كل ما تقدم فهو جاهز منذ عام 1979: الشيطان الأكبر أميركا، والشيطان الأصغر إسرائيل. العقوبات تبرر الفقر، والمؤامرة تقف وراء الاحتجاج، والموساد يحرك المعارضة، والاستكبار العالمي يفسر فشل الاقتصاد. وحدها الجمهورية الإسلامية لا تتبنّى شيئًا ولا تتحمل مسؤولية شيء.

وكأن أربعة عقود من الفساد وسوء الإدارة وتغوّل المؤسسات العسكرية في الاقتصاد لم تكن موجودة. وكأن المليارات التي وصلت إلى الحرس الثوري والميليشيات والشبكات التابعة لإيران في المنطقة لم تكن أموالًا حقيقية. النظام الذي أمّن المال والسلاح والمقاتلين لمغامراته خارج حدوده يكتشف فجأة، عندما وصل الأمر إلى حياة الإيراني، أن العقوبات الأميركية تمنعه من فعل أي شيء.

المشكلة إذًا ليست في العقوبات وحدها، رغم قسوتها. المرض أقدم وأعمق: إنها الثورة الإسلامية المزعومة نفسها، التي قادها الخميني، ثم تحولت من وعد بالخلاص إلى مشروع لتصدير الثورة والقمع معًا.

ولم يكتفِ هذا المشروع بإخضاع إيران، بل قرر تحويل العالم العربي إلى ساحات. من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن، أُنشئت الميليشيات ومُوّلت الحروب واختُرقت المؤسسات تحت شعار مواجهة أميركا وإسرائيل.

وهنا واحدة من أكبر مفارقات المشروع الإيراني: يعلن أن عدوه هو إسرائيل وأميركا، لكنه أنفق جانبًا هائلًا من طاقته خلال العقود الماضية في تفكيك الدول العربية. لقد رفع شعار القدس، فيما كان نفوذه يتمدد في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء؛ وتحدث عن تحرير فلسطين، فيما كان يبني إمبراطورية من الدول الضعيفة والميليشيات القوية.

والأكثر فكاهة أن النظام الذي يلعن أميركا صباحًا ومساءً يحنّ اليوم إلى عقيدة باراك أوباما: أميركا التي تفاوضه، وتحتويه، وتغض الطرف عن توسعه الإقليمي، وتتعامل معه باعتباره شريكًا لا بد من شرّه في إدارة الشرق الأوسط.

الحرس الثوري لا يريد إنهاء العداء مع الولايات المتحدة؛ يريد عداءً مضبوطًا يمنحه الشرعية في الداخل، وصفقة في الخارج تترك له العالم العربي ملعبًا مفتوحًا.

ولهذا تبدو لغته اليوم مألوفة لمن يقرأ تاريخ الأنظمة العقائدية في مراحل أفولها. الاتحاد السوفياتي لم يسقط بسبب بنطلون جينز ووجبة ماكدونالدز بالطبع، لكن الجينز وماكدونالدز اختصرا شيئًا أخطر بكثير: اللحظة التي يكتشف فيها المواطن أن الإمبراطورية التي تعده بقيادة البشرية عاجزة عن منحه الحياة بأدنى مقوماتها كما يراها خلف حدودها.

وهذه هي أزمة الجمهورية الإسلامية اليوم. هي تريد من الإيراني أن يفتخر بالصواريخ، في حين أنه قلق على مصدر رزقه، وتريده أن يحتفل بالنفوذ الإقليمي، في حين ترتفع أسعار المواد الغذائية، وأن يموت من أجل فلسطين ولبنان واليمن والعراق، بينما لا يملك الحق في تقرير نمط حياته في طهران أو أصفهان أو تبريز.

ثم يأتي أحد أبواق الحرس ليخبره أن البنزين أرخص من الماء.

العبارة تذكّر، بسخرية التاريخ، بالجملة المنسوبة إلى ماري أنطوانيت: إن لم يجدوا الخبز فليأكلوا الحلوى. لكن النسخة الإيرانية أكثر قتامة، لأن النظام لا يكتفي بإنكار الجوع، بل يعتبر الاعتراف به خيانة.

هذه، في النهاية، هي عقلية الحرس الثوري: لا يرى شعبًا بل أتباعًا، ولا يرى وطنًا بل ساحة، ولا يرى المواطن إلا وقودًا لمشروعه.

وعندما ينفد الخبز ويجف الماء، لن يعترف النظام بأنه هو أساس المشكلة. سيبحث عن مؤامرة جديدة، وعن شيطان أكبر وشيطان أصغر، وعن محلل جديد يشرح للإيرانيين كم هم محظوظون.

فالبنزين، في نهاية المطاف، أرخص من الماء.

وإن عطشوا، فليشربوا البنزين.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.