: آخر تحديث

عقيدة الدولة القادرة على البقاء

6
5
6

في منطقة الشرق الأوسط، لا يكفي أن تكون الدولة راغبة في السلام كي تعيش في سلام، ولا أن تتجنب الحروب كي تتجنبها الحروب. هذه منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتتجاور فيها الدول المستقرة مع الدول الهشة والميليشيات والجماعات العقائدية، وتتشابك فيها مصالح القوى الكبرى مع صراعات القوى الإقليمية. ولذلك، قد تجد دولة نفسها داخل مواجهة لم تخترها، أو تتحول أراضيها واقتصادها وبنيتها الأساسية إلى وسيلة ضغط يستخدمها طرف يريد إيصال رسالة إلى طرف آخر.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي للأمن الوطني أكبر من كيفية منع الحرب، فهو يتعلق بمنع الخطر قبل اكتماله، وردع الخصم عن استخدامه، ثم ببقاء الدولة قادرة على العمل إذا فشل كل ذلك ووصلت الضربة بالفعل.

ولعل دولة إسرائيل هي الحالة الأكثر وضوحًا لفهم هذه المعادلة، بحكم موقعها وجغرافيتها وتاريخ الصراع المحيط بها. فقد عاشت منذ نشأتها معضلة العمق الاستراتيجي المحدود، كما جعل تاريخ المواجهة حولها الخطأ الأمني الكبير مختلفًا عن الخطأ نفسه في دول أوسع مساحة وأبعد عن خطوط التماس.

لذلك قامت عقيدتها الأمنية تاريخيًا على الردع والإنذار والحسم والدفاع، ثم أخذت الوقاية موقعًا متزايدًا فيها. لكن مجزرة السابع من أكتوبر 2023 أحدثت ما هو أعمق من إضافة بند جديد إلى تلك العقيدة، فقد كشفت خطورة الاطمئنان إلى أن الخصم مردوع، وخطورة تحويل تقدير نواياه إلى ضمانة أمنية، وأعادت إلى العقل الإسرائيلي حقيقة قديمة مفادها أن القوة التي تُترك للعدو اليوم قد تصبح غدًا الخطر الذي يفاجئ الدولة.

بعد ذلك اليوم، تغيّر حساب الكلفة نفسه، فلم تعد المسألة بالنسبة إلى دولة إسرائيل مجرد موازنة بين استعداد عسكري مرتفع وهدوء يسمح بخفض الإنفاق، بل بين كلفة جاهزية دائمة واحتمال تكرار فشل قد تكون نتائجه أكبر بكثير من الأموال التي جرى توفيرها في سنوات الهدوء. فالردع يبقى ضروريًا، والاستخبارات أكثر ضرورة، والاستعداد العسكري لا يمكن خفضه إلى مستوى يحتاج معه إلى وقت طويل لاستعادته عندما تبدأ الأزمة. وهذه كلفة ثقيلة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، لكنها أصبحت تُقرأ باعتبارها ثمنًا لتقليل احتمال المفاجأة، لا عبئًا يمكن تأجيله بلا نهاية.

والمنع، بطبيعته، لا يبدأ بعد وقوع الخطر أو حدوث الاختراق، ففي تلك اللحظة تكون الدولة قد انتقلت بالفعل من منعه إلى التعامل مع نتائجه. المنع يبدأ قبل ذلك بكثير، قبل إطلاق الصاروخ وقبل عبور المسلح للحدود، حين تتشكل القدرة نفسها في مخازن السلاح، ومسارات التهريب، وبنى القيادة والتمويل، ومواقع التدريب والتموضع، والقدرات الصاروخية والمسيّرة التي تتراكم تحت غطاء الانتظار. والوقاية، في هذا المعنى، لا تعني استخدام القوة بلا حدود، وإنما استهداف قدرة محددة أصبحت تشكل خطرًا عمليًا قبل أن تتحول إلى تهديد مكتمل.

لكن ما تكشفه التجربة الإسرائيلية لا يخص إسرائيل وحدها، فالجغرافيا السياسية نفسها، بدرجات مختلفة، تفرض على دول أخرى في المنطقة منطقًا قريبًا. وقد أظهرت الحرب الأخيرة في الخليج أن الموقع والثروة والعلاقات الدولية والسياسات المتوازنة لا تصنع حصانة كاملة عندما تنفجر المنطقة، فإيران استهدفت دولًا خليجية وبنى اقتصادية وحيوية لديها ضمن مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحول الخليج، في جانب من هذه الاستراتيجية، إلى مساحة يمكن إيلامها لكي ينتقل الألم السياسي والاقتصادي إلى واشنطن والغرب والأسواق العالمية.

والدرس هنا قاسٍ وواضح؛ إذ تستطيع الدولة أن تعلن أنها لا تريد المواجهة، وأن تفتح قنوات للوساطة وتحافظ على علاقاتها مع أطراف متعارضة، لكن ذلك لا يُلزم خصمها بقراءة الموقف بالطريقة نفسها. فإذا اعتقد أن ضربها سيضغط على قوة أكبر أو يرفع كلفة الحرب على الآخرين، فقد تصبح هدفًا رغم أنها لم تختر أصل الصراع.

وإيران تحديدًا أثبتت أن حساباتها تتغير عندما يصبح ثمن الفعل ملموسًا، وحين تقتنع بأن الطرف الآخر قادر على الوصول إلى مصادر قوتها وإلحاق ضرر يصعب امتصاصه. فالردع هنا لا تصنعه النيات الطيبة، وإنما تصنعه القدرة التي يعرف الخصم أنها موجودة ويحسب حساب استخدامها.

ومع ذلك، لا يقدم الردع ضمانًا كاملًا. ماذا يحدث إذا عبر صاروخ واحد الدفاعات وأصاب محطة كهرباء رئيسية؟ ماذا لو تعطلت منشأة تحلية أو مركز بيانات أو ميناء يمثل جزءًا أساسيًا من حركة التجارة؟ عند هذه اللحظة يظهر اختبار آخر لا تحسمه الطائرات والصواريخ وحدها، وهو قدرة الدولة على الاستمرار بعدما تتلقى الضربة.

وهنا يتغير معنى القوة أيضًا، فليس المهم فقط أن تمنع الخصم من الوصول إلى هدفه، وإنما أن يعرف أن إصابة الهدف لن تمنحه النتيجة التي يريدها. فكلما امتلكت الدولة بدائل وقدرة على التعويض، فقدت الضربة جزءًا من قيمتها، لأن إلحاق الضرر لا يعني القدرة على شل الدولة. ويبدأ الاستعداد الحقيقي قبل الأزمة بسنوات، بمخزونات كافية، وقدرة على الإصلاح، ومؤسسات تعرف كيف تعمل عند تعطل الخدمات الأساسية.

وبالتأكيد، مهما ارتفعت القدرة الذاتية، ستبقى التحالفات الدولية جزءًا مهمًا من معادلة الأمن. والتحالفات مهمة، لكنها لا تعوض القدرة الذاتية، فالحليف قد يوفر السلاح والمعلومات، لكنه لا يستطيع أن يدير عن الدولة أزماتها الداخلية أو يعيد تشغيل ما تعطّل فيها.

بهذا المعنى، تصبح التجربة الإسرائيلية أكثر من حالة خاصة، فهي مختبر مبكر لأسئلة بدأت دول المنطقة تواجهها بطريقتها الخاصة. والمطلوب ليس استنساخ إسرائيل، فالاختلاف في الجغرافيا والمجتمع والسياسة يجعل ذلك بلا معنى، وإنما فهم الدرس الذي فرضته عليها بيئتها منذ عقود وأعاده السابع من أكتوبر بقوة إلى الواجهة.

ولا شك في أن الأمن مكلف، والاستخبارات مكلفة، والجيوش الجاهزة مكلفة، وخلق البدائل والمخزونات وتكرار البنى الحيوية مكلف أيضًا، لكن اكتشاف الحاجة إليها بعد أن تبدأ الحرب هو الخيار الأعلى كلفة في العادة.

في الحقيقة، الشرق الأوسط لا يمنح دوله ضمانات دائمة. وهذه ليست دعوة إلى عسكرة المنطقة ولا إلى التعامل مع الحرب باعتبارها قدرًا محتومًا، وإنما إلى فهم طبيعتها كما هي، لا كما نتمنى أن تكون. فالسلام الأكثر ثباتًا يحتاج دولة يصعب ابتزازها ويصعب شلها، ويعرف خصمها أن إصابة أحد أصولها لن تعني كسر إرادتها أو تعطيل قدرتها على الاستمرار.

هذه هي عقيدة الدولة القادرة على البقاء. ففي منطقة كالتي نعيش فيها، قد لا تستطيع الدولة اختيار موعد الأزمة المقبلة، لكنها تستطيع أن تقرر منذ اليوم ما إذا كانت ستدخلها وهي تعتمد على ألا تقع، أم وهي مستعدة لوقوعها، وقادرة على الصمود بعدها من دون أن يفقدها الخصم قدرتها على الاستمرار.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.