لا أعرف لماذا تتغيّر الأيام، وأشعر على الدوام أنني لستُ فيها. كأنني أقف خلف زجاج شفاف، أرى العالم يتحرك أمامي، الناس يذهبون إلى أعمالهم، يضحكون، يحبون، يتشاجرون، يعودون إلى بيوتهم، ويخططون للغد، بينما أنا معلّقة في مكان لا أعرف اسمه.
أشعر أنني داخل بالونة كبيرة، تكبر كل يوم حولي حتى تضيق عليّ، ولا أستطيع الخروج منها. أبحث عن دبوس صغير، أي دبوس، كي أفرقع هذا الغلاف الذي يفصلني عن الحياة، لكن يدي لا تصل إلى شيء.
الغريب أنني لا أعرف حتى إلى أين أريد أن أخرج.
إلى الحياة التي كنت أعرفها؟
أم إلى حياة جديدة لم أجرّبها بعد؟
أحيانًا أشعر أنني لم أعد متمسكة بالحياة كما كنت. ليس لأنني أكرهها، وإنما لأنني تعبت من محاولة العثور على مكان لي فيها. تعبت من أن أستيقظ كل صباح وأرتدي وجهي المعتاد، وأجيب: "أنا بخير"، بينما في داخلي شيء آخر يجلس وحيدًا، يحدّق في السقف، ولا يريد أن يشرح لأحد لماذا لم يعد قادرًا على الاحتمال.
أمشي بين الناس، وأشعر أنني شبح يعرف كيف يقلّد الأحياء.
أضحك في الوقت المناسب.
أتحدث.
أجيب عن الرسائل.
أشرب قهوتي.
أكتب.
أبدو طبيعية إلى درجة تجعل الجميع يظنون أنني نجوت.
لكنني في الحقيقة لم أنجُ تمامًا.
هناك أشياء لا تنجو منها الروح بسهولة. أشياء تنتهي في الخارج، لكنها تستمر في الداخل كصوت خافت لا ينام.
وأحيانًا، في آخر الليل، حين يهدأ كل شيء، أسأل نفسي:
كم مرة يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد قبل أن يفقد الرغبة في البدء؟
ثم يأتي الصباح.
وأفتح عيني.
لا أعرف لماذا.
ربما لأن شيئًا صغيرًا جدًا في داخلي، أصغر من أن أراه، ما زال يقول لي:
انتظري.
ربما هناك يوم لم يصل بعد.
شخص لم أقابله.
مكان لم أجلس فيه.
ضحكة لم تخرج من فمي.
كتاب لم أكتبه.
وقصة لم تنتهِ بعد.
وربما لا أحتاج الآن إلى دبوس لأفرقع البالونة.
ربما أحتاج فقط إلى يد تصل إليّ من الخارج، وتقول:
"أنا أراكِ، لا تتظاهري بأنكِ بخير. ابقي معي قليلًا."
وربما، لأول مرة منذ وقت طويل، لا أحتاج إلى إجابة عن معنى الحياة كلها.
يكفيني أن أعبر هذه الليلة.
ثم ليلة أخرى.
ثم صباحًا آخر.
فبعض النجاة لا تأتي على هيئة معجزة كبيرة.
أحيانًا تأتي على هيئة نَفَس جديد،
وفنجان قهوة،
ومكالمة لم نكن نريد الرد عليها،
وشخص واحد يصرّ على البقاء إلى جوارنا حتى نتذكر، ببطء شديد،
أننا لسنا مضطرين إلى مواجهة كل هذا وحدنا.

