: آخر تحديث
القيادة التربوية في الماجستير:

هل حان الوقت لبرامج تقرأ المستقبل؟

2
0
1

 

توقفت أمام إعلان جامعة حفر الباطن عن برامج الدراسات العليا لهذا العام، ووجدت بين مجموعة البرامج المطروحة ماجستير القيادة التربوية، وهو تخصص لا يمكن إنكار أهميته في بناء القيادات التعليمية وتطوير العمل داخل المؤسسات التربوية، لكن تكرار ظهوره في برامج الدراسات العليا يدفعني إلى سؤال أراه طبيعيًا، لا يحمل اعتراضًا على التخصص ولا انتقاصًا من المشتغلين به، بقدر ما يحاول أن يفهم العلاقة بين ما تقدمه الجامعة وبين ما يحتاجه سوق العمل فعلًا. فهل القيادة التربوية ما زالت بحاجة إلى هذا الامتداد في برامج الماجستير، وهل الفرص الوظيفية المتاحة لخريجيها تتناسب مع استمرار القبول فيها، وهل يستطيع حامل هذا المؤهل أن يجد مسارًا مهنيًا جديدًا وواضحًا بعد التخرج؟

ويزداد السؤال لدي إذا عدنا إلى مرحلة البكالوريوس، فالقيادة التربوية ليست من التخصصات التي يعرفها الطالب عادة بوصفها مسارًا مهنيًا يبدأ من السنة الجامعية الأولى وينتهي بوظيفة محددة الاسم والمهام، ولذلك من المهم أن نعرف ما القاعدة الأكاديمية التي يقوم عليها هذا البرنامج، وهل توجد في مرحلة البكالوريوس مقررات تخصصية واسعة تقود بصورة طبيعية إلى الدراسات العليا في القيادة التربوية، أم أن المجال في جوهره يخدم العاملين أصلًا في التعليم ممن يريدون تطوير معارفهم في الإدارة المدرسية والتخطيط والقيادة والإشراف؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحديث عن جدوى البرنامج وعدد المقبولين فيه وحاجة الميدان إلى خريجيه يصبح أمرًا يستحق الدراسة قبل أن يتحول تكراره كل عام إلى أمر معتاد لا نتوقف طويلًا أمام أسبابه.

فالجامعة ليست مطالبة بأن تفتح برنامجًا لمجرد وجود أستاذ يستطيع تدريسه، وليست مهمتها كذلك أن توفر للموظف شهادة أعلى يضيفها إلى ملفه المهني، لأن الدراسات العليا يُفترض أن تكون أكثر مراحل التعليم الجامعي اتصالًا بحركة المعرفة وتحولات المجتمع، وأكثرها قدرة على التقاط التخصصات التي بدأت تنمو والوظائف التي بدأت تتشكل والمهارات التي أصبحت المؤسسات تبحث عنها. وما كان مطلوبًا قبل عشر سنوات قد لا يكون بالحجم نفسه اليوم، وما كان تخصصًا صغيرًا بالأمس ربما أصبح اليوم سوقًا واسعًا يحتاج إلى مئات المتخصصين، ولذلك فإن مراجعة البرامج ليست تقليلًا من قيمة تخصص قديم، وإنما احترام لقيمة الجامعة نفسها ولدورها في قراءة ما يحدث خارج أسوارها.

ومن هذه النقطة تحديدًا يأتي سؤالي عن الإعلام الرقمي: لماذا لا تطرق جامعة حفر الباطن هذا الباب بصورة أكاديمية جادة، ونحن نعيش في زمن أصبحت فيه المنصات جزءًا من حياة المؤسسات والأفراد، وأصبح المحتوى صناعة لها اقتصادها ووظائفها وأدواتها، وأصبحت الوزارات والجامعات والشركات والمستشفيات والهيئات والمشروعات السياحية والرياضية والثقافية تحتاج إلى متخصص يعرف كيف يبني الرسالة ويقرأ الجمهور ويدير السمعة الرقمية ويتعامل مع الأزمات ويصنع المحتوى ويقيس أثره؟ بل إن المسؤول نفسه أصبح يحتاج إلى فريق يفهم طبيعة الخطاب الرقمي، ويعرف الفرق بين مجرد الوجود في المنصة وبين صناعة حضور مؤثر ومقنع يحترم عقل المتلقي.

والإعلام الرقمي الذي أتحدث عنه ليس ذلك التصور القديم الذي يحصر الإعلام في كتابة الخبر أو التقاط الصورة أو إدارة حساب في إحدى المنصات، وإنما تخصص حديث يمكن أن يجمع الاتصال الاستراتيجي بصناعة المحتوى، وتحليل الجمهور بالبيانات، وإدارة السمعة بالخطاب المؤسسي، والذكاء الاصطناعي بالإنتاج الإعلامي، والتسويق الرقمي بفهم السلوك الإنساني، وهي مساحات واسعة تتولد منها وظائف جديدة كل يوم، ويمكن لجامعة حفر الباطن أن تبني فيها برنامجًا مختلفًا له شخصيته بدلًا من أن تذهب إلى نسخة مكررة من برامج الإعلام التقليدية التي لم تعد وحدها قادرة على ملاحقة التحولات السريعة في هذا المجال.

ولا أقول إن الحل أن نغلق ماجستير القيادة التربوية ونضع الإعلام الرقمي مكانه، فالقضية ليست معركة بين تخصصين، وإنما أتمنى أن تكون لدينا فلسفة أكثر مرونة في بناء برامج الدراسات العليا، بحيث لا يكون البرنامج الذي فتحناه بالأمس هو البرنامج الذي يجب أن نفتحه غدًا لمجرد أننا اعتدنا عليه، بل ننظر في أعداد خريجيه، ونقرأ مواقعهم الوظيفية، ونسأل عن الأثر الذي أحدثه المؤهل في حياتهم المهنية، ونستمع إلى القطاعات الحكومية والخاصة، ثم نقرر بعد ذلك: هل نحتاج إلى زيادة المقاعد فيه أم تقليلها أم تطوير مساره أم فتح تخصص آخر بجواره أصبح المجتمع أكثر حاجة إليه؟

وحفر الباطن ليست مدينة صغيرة في طموحها ولا في حركة مجتمعها، والجامعة التي تحمل اسمها تستطيع أن تكون أكثر جرأة في اختيار بعض برامجها، فتقدم تخصصات تجعل الطالب يأتي إليها من خارج المنطقة لأنه وجد فيها برنامجًا لا يجده بسهولة في جامعة أخرى. فتميز الجامعات لا يصنعه عدد البرامج وحده، وإنما تصنعه القدرة على اختيار البرنامج المناسب في الوقت المناسب، وربطه بالمكان والاقتصاد والإنسان والتحولات المهنية التي ستحدد شكل الوظائف خلال السنوات المقبلة.

ما أتمناه من جامعة حفر الباطن أن يكون الإعلان عن برامج الدراسات العليا بداية للنقاش لا نهايته، وأن نسأل بهدوء عن كل برنامج يتكرر عامًا بعد عام: كم نحتاج من خريجيه؟ وأين يذهبون بعد التخرج؟ وماذا أضاف لهم؟ وهل ما زال السوق ينتظر المزيد منهم؟ ثم نضع إلى جوار هذه الأسئلة سؤالًا آخر: ما التخصص الذي لم نفتحه حتى الآن بينما سوق العمل بدأ يفتح له أبوابه؟ وربما يكون الإعلام الرقمي واحدًا من تلك الأبواب، وربما توجد تخصصات أخرى أكثر أهمية، لكن المؤكد أن الجامعة التي تريد أن تذهب إلى المستقبل لا ينبغي أن تظل خريطة برامجها واقفة في المكان نفسه، بينما العالم من حولها يتحرك كل صباح إلى مكان جديد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.