: آخر تحديث

هل الخليج عربي أم فارسي؟

2
0
0

ليس الخلاف على اسم الخليج خلافًا لغويًا عابرًا، ولا نزاعًا على لفظة في خريطة، بل هو خلاف يتصل بفهم التاريخ نفسه. فالاسم في مثل هذه المواضع لا ينفصل عن موازين القوة، ولا عن هوية السكان، ولا عن الذاكرة الأسبق من التدوين الرسمي. لذلك لا يكفي أن يقال إن بعض الكتب القديمة ذكرت «فارس» حتى يُحسم الأمر، لأن ورود الاسم في بعض المصادر شيء، وكونه الاسم الأقدم أو الأدق في التعبير عن هوية المكان شيء آخر.

وحين ننظر إلى المشرق القديم، نجد أن هذا المجال عرف حضارات وشعوبًا راسخة قبل غزو الفرس للمنطقة بقرون طويلة. ففي جنوب الرافدين برزت سومر بوصفها أقدم حضارة مدينية معروفة هناك، مع أن لغتها لم تكن سامية بل لغةً معزولة. وفي شرق الجزيرة العربية، على ساحل الخليج، عُرفت دلمون منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد مركزًا حضاريًا وتجاريًا مهمًا، ضمن عالمٍ أخذ الحضور السامي فيه يتبلور بوضوح. وإلى جانب السومريين برز الأكديون بلغتهم السامية، في امتدادٍ لغوي وحضاري أوسع سبق قيام دولتهم، ثم أصبحت الأكدية اللغة الغالبة في العراق القديم، وتطورت في صورتين رئيستين، الآشورية في الشمال والبابلية في الجنوب. وفي الشام ازدهرت مملكة (إبلا – Ebla) منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، ثم برز الكنعانيون والآراميون وغيرهم في مراحل لاحقة. وفي أنحاء الجزيرة ظهرت ممالك متعددة، من سبأ ومعين وقتبان وحِمير في الجنوب، إلى دادان ولحيان وقيدار والأنباط في الشمال، في سياق الفضاء السامي الواسع الذي امتد في العراق والشام والجزيرة، حيث شهد شمال الجزيرة أيضًا المراحل المبكرة لتشكّل العربية وظهور شواهدها؛ لذلك فإن الغزو الفارسي للهضبة والعراق لا يثبت أصالةً فارسيةً لهذه الأقاليم، بل يدل على نفوذ سياسي لاحق على مجال أقدم منه، كما أن دخول بلاد الشام تحت حكم البيزنطيين لم يجعلها بيزنطية الأصل.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الفرس ليسوا من الشعوب السامية، بل من الشعوب الهندوإيرانية، وترجع أصولهم البعيدة إلى جماعات ارتبطت بسهوب أوراسيا وآسيا الوسطى، وتحركت فروع منها جنوبًا إلى الهضبة الإيرانية خلال الألفية الثانية قبل الميلاد. أما الفرس بوصفهم جماعة تاريخية مميزة فظهروا لاحقًا في الهضبة، ثم ارتبطوا بإقليم «بارسا» في جنوب غرب إيران، وهو موطنهم التاريخي الذي عُرف عند اليونانيين باسم «برسيس» (Persis)، وعُرف في العربية باسم «فارس». ثم اتسع هذا الاسم في المصادر اليونانية من دلالته على إقليم بعينه إلى دلالة أوسع على الدولة التي قادتها السلالة الفارسية. ومن هنا، فإن اسم «فارس» لم يكن في أصله اسمًا جامعًا لكل تلك البلاد، بل اسم جماعة وإقليم، ثم عممته الدولة وكرسته السياسة والحرب.

ومن الخطأ، تبعًا لذلك، تصوير إيران الحالية كأنها كانت فارسية منذ البدء. فقد سبق الفرسَ إلى هذه البلاد شعوبٌ وحضارات أخرى، فمثلاً في جنوبها الغربي قامت عيلام بوصفها حضارة قديمة مستقلة، كما عرفت الجهات المتصلة بغرب إيران حضورًا وتأثيرًا رافديًا ساميًا مبكرًا. ولهذا فالأدق أن يقال إن الفرس ورثوا مجالًا أقدم منهم.

وإذا نظرنا إلى تاريخ تسمية الخليج عبر العصور، بدا واضحًا أن هذا المسطح المائي لم يُعرف باسم واحد ثابت، بل تعاقبت عليه أسماء متعددة. وفي النصوص الرافدية القديمة عُرف الخليج بتسميات متعددة؛ فظهر منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد وصف «البحر السفلي»، تمييزًا له من البحر الأعلى، ثم يرد في نصوص من عهد سلالة أور الثالثة تعبير «بحر أرض دلمون»، بما يعكس صلته الوثيقة بدلمون ومجالها البحري والتجاري، ويدل على أن الخليج كان معروفًا في المجال الرافدي والدلموني. كما ارتبط في بعض النصوص الرافدية بتعبيرات تصف المياه المالحة أو «الماء المر»، قبل أن تقترن به التسمية الفارسية. ثم ظهر في المصادر اليونانية اسم «بحر فارس» أو «الخليج الفارسي» في مرحلة كانت فيها الإمبراطورية الفارسية قوة كبرى في المشرق وعلى ضفته الشرقية، واتسعت معرفة اليونانيين بالخليج لاحقًا بفعل الحملات والرحلات العسكرية. غير أن المصادر الكلاسيكية نفسها عرفت أسماء محلية لأجزاء من الخليج وسواحله؛ وفي القرن الأول الميلادي يذكر بلينيوس الأكبر «خليج جرهاء» (Gulf of Gerra)، نسبةً إلى جرهاء العربية على الساحل الغربي للخليج.

والاستناد إلى المصادر اليونانية والرومانية والإصرار عليها لإثبات قِدم تسميةٍ معينة للخليج أمر غير مفهوم، وتحويل هذه المصادر إلى حكم نهائي يلغي كل تسمية أخرى ليس منطقيًا. فاليونان والرومان لم يكونوا أول من عرف المنطقة، ولم تبدأ حضارات الشرق الأدنى بخرائطهم؛ فقد جاءت الحضارة اليونانية لاحقةً لحضارات سامية عريقة سبقتها بقرون طويلة، وجاء تدوينها الجغرافي بعد تاريخ ممتد من الحضارة والتجارة والتسمية في الجزيرة العربية ودول الهلال الخصيب.

وظهرت تسمية «بحر فارس» بوضوح في المصنفات الجغرافية الإسلامية في العصر العباسي، بعد اتساع حركة الترجمة والانفتاح على الموروث الجغرافي اليوناني وغيره، وفي مرحلة شهدت كذلك صعود السجالات الشعوبية وتعاظم حضور الإرث الفارسي في العهد العباسي. لكن الجغرافيين والرحالة العرب والمسلمين لم يلتزموا بهذا المصطلح على وجه واحد؛ إذ استخدموا أيضًا تسميات متصلة بالأقاليم والحواضر المطلة على مياهه، مثل «خليج البصرة» و«بحر عُمان» و«بحر البحرين» و«خليج القطيف». وهذا التعدد في الأسماء يدل على أن مصطلح «بحر فارس» لم يكن حكمًا قاطعًا بهوية المكان، بقدر ما كان واحدًا من مصطلحات متعددة تداولتها عصور وبيئات مختلفة.

لكن الأسماء التي تعاقبت على الخليج لا تكتمل قراءتها بعيدًا عن هوية السكان الذين عاشوا على ضفافه عبر القرون. فمن العراق في شماله الغربي إلى الكويت والأحساء والبحرين وساحل عُمان، امتد الوجود العربي تاريخيًا على معظم الضفة الغربية والجنوبية للخليج، كما امتد في فترات مختلفة إلى أجزاء من الساحل المقابل، ولا سيما الأحواز، بفعل الهجرات والاستقرار القبلي العربي. وربطت القبائل والموانئ والملاحة وتجارة اللؤلؤ الخليج بالعرب منذ القدم. ولم تكن هذه الصلة طارئة أو عابرة، بل كانت جزءًا من تكوينه الاجتماعي والثقافي عبر قرون طويلة. وحتى حين دخلت بعض جهاته تحت سلطان إمبراطوريات غير عربية، لم ينقطع هذا الامتداد العربي، ولم تذب هوية الخليج في اسم الدولة التي حكمت بعض ضفافه في أي مرحلة من مراحله.

وظل هذا الخليج عبر القرون مجالًا تتعاقب عليه القوى والدول، حتى جاء التحول الأكبر في القرن السابع الميلادي مع ظهور الإسلام واتساع الدولة العربية. ولم يكن العرب الذين حملوا هذا التحول قوةً ظهرت من فراغ، بل كانوا امتدادًا لبيئة المنطقة السامية القديمة، وورثةً لجزء كبير من تراثها اللغوي والثقافي الذي تشكل عبر قرون طويلة. فأسقط العرب الإمبراطورية الفارسية، ودخل الفرس في فضاء جديد غلب عليه الإسلام دينًا، والعربية لسانًا وحضارةً، قرونًا طويلة. ولم يمحُ ذلك تاريخ الفرس ولا حضورهم، كما أن حكمهم السابق لم يمحُ تاريخ الشعوب والحضارات التي سبقتهم. فالتاريخ لا يبدأ من لحظة صعود قوة، ولا يمنحها حقًا أبديًا في تسمية المكان، كما لا يسلب سكانه الذين يحيطون بمعظم ضفافه حقهم في تسميته. والخليج أقدم من العهد الفارسي ومن التدوين الجغرافي اليوناني، وتاريخه أوسع من أن يُختزل في اسم كرسته حقبة زمنية واحدة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.