عبدالله بن محمد آل الشيخ
لم يعد الإعلام ذلك الخبر الذي ننتظره في نشرة المساء.. ولا الصحيفة التي نفتح صفحاتها مع فنجان الصباح.. ولا المذياع الذي كان يحمل إلينا صوت العالم.. تغيّر الإعلام.. وتغيّر العالم معه..
أصبح الخبر يصل قبل أن تكتمل تفاصيله والصورة تعبر القارات في ثوانٍ، والمعلومة الصحيحة تجاور الشائعة والحقيقة تنافس التضليل وأصبح هاتف صغير في يد إنسان واحد قادرًا على أن يصنع رأيًا أو يشعل أزمة.. أو يكشف زيفًا أو ينشر طمأنينة وسلامًا..
ولهذا فإن الحديث عن المنتدى السعودي للإعلام 2027 ليس حديثًا عن مناسبة إعلامية جديدة تضاف إلى روزنامة المؤتمرات.. بقدر ما هو حديث عن مسؤولية تفرضها مرحلة ربما تكون من أكثر المراحل اضطرابًا وتحولًا في تاريخ الإعلام الحديث..
فالنسخة السادسة من المنتدى ستنعقد بإذن الله ومشيئته في العاصمة الرياض خلال الفترة من 1 إلى 3 فبراير 2027م تحت رعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- وبمشاركة قيادات إعلامية وصناع قرار وخبراء ومؤسسات إعلامية وتقنية من دول العالم.. وهي رعاية كريمة تمنح المنتدى دلالة تتجاوز المناسبة إلى ما توليه القيادة السعودية من اهتمام بدور الإعلام في التنمية وصناعة الوعي ونقل صورة المملكة، وتعزيز الحوار والتواصل مع العالم..
ولم يصل المنتدى إلى نسخته السادسة من فراغ..فقد حققت نسخه الماضية نموًا لافتًا وأصبحت منصته ملتقى لقيادات الإعلام والخبراء وصناع القرار وشهدت نسخته الخامسة حضورًا تجاوز 65 ألف زائر ومشاركة أكثر من 300 متحدث إلى جانب معرض مستقبل الإعلام «فومكس» والبرامج والمبادرات المصاحبة..
كما أن من الجميل ألا يبقى المنتدى حبيس أيام انعقاده: فمبادراته وأنشطته الممتدة على مدار العام تؤكد أن الهدف يتجاوز إقامة حدث ناجح إلى بناء حراك إعلامي مستمر.. وهنا تحديدًا تبدأ -في رأيي- أهمية النسخة القادمة..فنجاح الماضي يرفع سقف المطلوب من المستقبل..
نحن نعيش عالمًا مضطربًا: حروب وصراعات، وتنافسًا دوليًا، وتحولات سياسية واقتصادية متسارعة وذكاءً اصطناعيًا يعيد صياغة المهنة ومنصات تواصل ألغت كثيرًا من الحدود القديمة بين الإعلامي والمتلقي وبين الخبر والرأي بل وبين الحقيقة وما يُصنع ليبدو حقيقة.. ورأينا جميعًا خلال الأزمات والحروب كيف يمكن للإعلام أن يتحول إلى جزء من المعركة..
صورة واحدة قد تشعل غضب الملايين ومعلومة كاذبة قد تربك مجتمعًا ومقطع مجتزأ قد يصنع أزمة.. وحملة إعلامية منظمة قد تحوّل المعتدي إلى ضحية والضحية إلى متهم..
وهكذا: في المقابل تستطيع كلمة مسؤولة أن تهدئ وحقيقة موثقة أن تكشف التضليل وإعلام مهني أن يكون جسرًا للحوار بدل أن يصبح وقودًا للصراع.. ولهذا قيل إن الإعلام سلاح ذو حدين وأحسب أن هذا الوصف لم يكن في يوم أكثر انطباقًا عليه مما هو اليوم.
ولماذا الرياض؟
لعل ما يمنح انعقاد المنتدى في الرياض دلالة أعمق أنه يأتي من عاصمة دولة لم تعد تكتفي بمتابعة التحولات الكبرى في العالم.. بل أصبحت شريكًا فاعلًا في صناعتها والتأثير فيها..فالمملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وبما يقوده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله- من تحول وطني واسع في إطار رؤية المملكة 2030م
أصبحت حاضرة سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا وثقافيًا وإعلاميًا على امتداد العالم.. وعكست تحركات سمو ولي العهد وزياراته ولقاءاته الدولية المتتابعة حجم هذا الحضور السعودي :حضور يقوم على بناء الشراكات وتقريب وجهات النظر والدفع نحو الاستقرار والتنمية في وقت تتسع فيه دوائر الصراع ويحتاج العالم إلى أصوات العقل والحوار..
وهنا أطرح سؤالًا أراه جديرًا بأن يكون حاضرًا في المنتدى: هل يواكب إعلامنا حجم التحول الذي تعيشه المملكة ومكانتها التي تتعاظم في العالم؟
إن رؤية 2030 لم تغيّر الاقتصاد والمشروعات والمدن وحدها بل أسهمت في تغيير صورة المملكة وحضورها وطموحات أجيالها ولذلك فإننا بحاجة إلى إعلام قادر على رواية هذه التحولات بمهنية وذكاء لا بلغة المبالغة والدعاية وإنما بلغة الحقيقة والمنجز والشاهد والرقم..
فالإعلام القوي ليس هو الذي يقول للعالم إننا ناجحون فحسب وإنما الذي يجعل العالم يرى النجاح ويفهمه ويقرأ أبعاد..
ومن هنا فإنني أتطلع إلى أن تكون النسخة السادسة من المنتدى مختلفة.. مختلفة فعلًا.. لا.. نريد أن تكون قيمة المنتدى بعدد جلساته وحدها.. ولا بعدد المتحدثين أو الحضور على أهمية ذلك كله.. وإنما بما يبقى بعد أن تُطفأ أضواء القاعات ويعود الضيوف إلى بلدانهم..
ماذا خرجنا به؟
ماذا تغير؟
وماذا سنفعل بعد ذلك؟
نريد جلسات تناقش بشجاعة مستقبل الحقيقة في عصر التزييف وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام.. وحماية المجتمعات من الشائعات والحروب النفسية وكيفية استعادة الثقة بالإعلام المهني ودور الإعلام في الأزمات والحروب وحدود المسؤولية بين حرية التعبير وبين التحريض وإثارة الكراهية.. ونريد أن نناقش أيضًا سؤالًا طال تأجيله:
هل ما زالت المؤسسات الإعلامية تصنع الرأي العام أم أن منصات التواصل وخوارزمياتها أصبحت هي التي تصنعه..؟
وماذا نفعل أمام أجيال لم تعد تنتظر صحيفة الصباح أو نشرة المساء بل تصنع أخبارها وتتلقاها وتعلق عليها وتنشرها في اللحظة نفسها؟
ونريد للشباب السعودي أن يكون في قلب المشهد لا مجرد مستمع في مقاعد الحضور: فهؤلاء هم الذين سيحملون إعلام المملكة في العقود المقبلة..
كما نريد أن يسمع العالم من الرياض إعلامًا عربيًا يعرف كيف يروي قصته بنفسه لا أن ينتظر الآخرين ليكتبوا قصته نيابة عنه..
وهنا تبرز مسؤولية وزارة الإعلام بقيادة معالي الوزير الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري.. ومعالي نائبه د. عبدالله المغلوث والجهود التي يقودها رئيس المنتدى الأستاذ محمد بن فهد الحارثي وفريق العمل النّشط..
فما تحقق خلال السنوات الماضية يستحق الإشادة والتقدير لكنه في الوقت نفسه يشكل قاعدة لما هو أكبر من ذلك.. فأجمل الوفاء للنجاح ألا نكتفي بالإشادة به بل أن نطالبه بالمزيد..!
والرياض اليوم ليست المدينة التي تستضيف العالم فحسب :إنها عاصمة أصبح العالم يأتي إليها ليسمع ويناقش ويتشارك ويعقد الشراكات ويستشرف المستقبل.. والمملكة التي تعيش هذا التحول الكبير في ظل رؤية 2030 ..تحتاج إلى إعلام يوازي ..حجم التحول ويدرك أن حماية المنجز لا تكون بحجبه عن النقد بل بعرضه بثقة وأن الدفاع عن الوطن لا يكون بالصوت المرتفع وحده وإنما بالمعلومة الصحيحة والحجة المقنعة والمهنية العالية..
أمنية قبل أن يبدأ المنتدى:
ولأن المنتدى ما زال أمامه وقت فإنني أكتب هذه الكلمات لا.. لأحصي ما أنجزه بل لأقول ما أتمناه منه.. ويتمناه الجميع.
نتمنى أن تنتهي أعمال المنتدى السعودي للإعلام 2027 م بإعلان «خارطة طريق الرياض لمستقبل الإعلام»..
وثيقة أو مبادرة عملية تضع مجموعة من المبادئ والتوصيات القابلة للتطبيق في المهنية الإعلامية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومواجهة التضليل والشائعات وتأهيل الأجيال الجديدة والإعلام في أوقات الأزمات والحروب وتعزيز جسور التواصل بين الإعلام السعودي والعربي والدولي..
خارطة لا توضع على الرفوف ولا تنتهي بانتهاء المنتدى بل يبدأ العمل بها بعده.. وعندها لن يكون السؤال:
كم جلسة عقدنا؟
وكم متحدثًا استضفنا؟
وكم شخصًا حضر؟
بل سيكون السؤال الأجمل والأبقى:
ماذا أضاف المنتدى إلى مستقبل الإعلام؟
وماذا قدمت الرياض للعالم من رؤية إعلامية جديدة؟
إن أمام المنتدى السعودي للإعلام فرصة لأن يكون أكثر من ملتقى ناجح: أن يصبح بيتًا للفكر الإعلامي العربي ومنصة عالمية لصناعة مستقبل المهنة.. وأن تكون الرياض منطلقًا لحوار إعلامي يضع الإنسان والحقيقة والمسؤولية في مقدمة الأولويات وإذا كان الإعلام قادرًا على إشعال الحرائق فهو قادر كذلك على إطفائها..
وإذا كان قادرًا على التضليل..! فهو أقدر.. حين يتحلى بالمهنية والضمير على كشف الحقيقة.. وإذا استطاعت كلمة أن تفرّق بين الشعوب فإن كلمة أخرى صادقة تستطيع أن تقرّب بينها ..
وأملنا أن يأتي فبراير 2027 فنرى منتدى لا يكرر ما سبقه وإنما يبني عليه ويتجاوزه :منتدى ينظر إلى الأمام ويستشرف إعلام السنوات القادمة ويمنح شبابنا مساحة المستقبل ويقدم من الرياض رسالة تقول للعالم: إن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون صناعة ورسالة قبل أن يكون منصة وبناء قبل أن يكون ضجيجًا..
ومن عاصمة وطن اختار التنمية والبناء والحوار طريقًا نتمنى أن تنطلق خارطة إعلامية للمستقبل: إعلام يبني ولا يهدم.. يضيء ولا يضلل.. يجمع ولا يفرق.. ويجعل الحقيقة أول الطريق وآخره..ذلك ما نتمناه.. وذلك ما نثق بأن الرياض قادرة عليه كعادتها بإذن الله.. بأن تقدمه للعالم.
والله من وراء القصد..

