ما الوسائل غير الأخلاقية التي كانت تتبعها شركة ميتا بحيث أُجبرت على تسوية الأمر مع الحكومة الأمريكية، ودفعت غرامة قدرها أكثر من 18 مليار دولار، وهي الأكبر في التاريخ؟
تمتلك «ميتا» منصتي فيسبوك وأنستغرام، واتُهمت بأنها قامت، متعمدة، بارتكاب ممارسات غير أخلاقية، تجعل الأطفال يدمنون على استخدام منصاتها، رغم علم الشركة بالمخاطر والأضرار المحتملة لمثل ذلك. فهي تقوم بجمع بيانات هائلة عن تصرفاتهم، بطريقة غير قانونية، من خلال طرق خبيثة، ينتج عنها ضرر نفسي، ويشبه الاستغلال الجنسي للأطفال، وهذا ما دفعها لدفع الغرامة، والتعهد بإجراء تعديلات على منصاتها، بما يشمل وضع حد يومي لمدة الاستخدام ومنعه خلال ساعات الليل، والحد من الاستخدام المفرط، الضار بالصغار، ومتواضعي الفهم، لسرعة تفاعلهم، دون علمهم، بخطورة الرسائل الإعلانات التي تتضمنها هذه المنصات.. كما تعهدت بوقف بث الإشعارات والتنبيهات ليلًا وأثناء وجود الأطفال في المدرسة، لتشجيعهم على أخذ فترات راحة من وسائل التواصل الاجتماعي. كما ستُحدّ ميتا من استخدام الميزات التي يربطها علماء النفس بالمقارنات الاجتماعية السلبية، مثل فلاتر التجميل، المخادعة، وإحصاء عدد نقرات زر الإعجاب، وجميعها محفزات لاستمرار الحملقة في الشاشة.
تم التوصل لهذه التسوية السريعة لكي تتجنب الشركة، التي تبلغ قيمتها السوقية أكثر من 1470 مليار، تداول اسمها بطريقة سلبية، وتجنب خوض معارك قضائية مكلفة ضد حكومات الولايات.
تأتي هذه التسوية الضخمة في سياق موجة أوسع من الدعاوى القضائية ضد هذه الشركة، وغيرها، بخصوص سلامة الأطفال؛ فقد سبق أن خسرت ميتاقضيةً في لوس أنجلوس، تتعلق بتهمة تصميم منصات تسبب الإدمان. لذا لم يكن غريباً أن إيرادات الشركة بلغت أخيراً، وفقط لربع سنة أكثر من 61 مليار دولار، بزيادة %28 على العام السابق.
قبول «ميتا» بالتسوية قد يدفع شركات التواصل الأخرى، مثل سناب وتيك توك ويوتيوب، لتسويات وتغييرات مماثلة على منتجاتها.
لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد فقد رفع عدد من أولياء أمور مراهقين دعاوى قضائية ضد منصات التواصل لتسببها في تخريب عقول أبنائهم ودفعهم للإدمان. وفي المحاكم تجري جلسات في بعض الولايات رفعتها المناطق التعليمية تتهم فيها هذه الشركات بالتسبب في إزعاج عام بسبب التكاليف التي تكبدتها المدارس من جراء إدمان طلبتها على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد واجهت شركة ميتا صعوبات جمة في بعض هذه الدعاوى، حيث خسرت في مارس الماضي، أول قضية تعويضات عن إصابات شخصية. وفي قضية منفصلة، أمر قاضٍ شركة ميتا بدفع غرامات تصل إلى مليار دولار تقريبًا لانتهاكها قوانين حماية المستهلك.
الغريب أن كل هذا يحصل، وكل هذه المليارات تصرف تجنيها شركات، لو غابت اليوم عن وجه الأرض، لما حدث ضرر كبير، بل ربما كان العكس أقرب للصحة. ولم يكن غريباً تجاوب البورصة إيجابياً مع قرار التسوية، بعد أن كانت تتوقع محاكمة دموية وتعويضات بمئات المليارات. وهناك تحركات وقضايا مماثلة في الاتحاد الأوروبي.
***
هذا ما يحدث في أمريكا أما في عالمنا، فقد كان الآباء يلجأون لاعطاء أبنائهم «ماء الغريب» Gripe water لإسكاتهم إذا استمروا في البكاء، ثم توقف استخدامه بعد أن تبين احتواؤه على الكحول.
واليوم عندما يبكي الطفل تقوم أسرته بإعطائه جهاز الهاتف النقال لإسكاته، ومن هنا يبدأ الإدمان وتتلف العقول، فوق تلفها.
أحمد الصراف

