
هنالك ملامح وقفة إسلامية تجاه إسرائيل التي، في غياب الوقفات العربية الحاسمة عما ترتكبه من اعتداءات، تواصل تحدياتها للأمتين حيث تشاء، مطمئنة إلى أن العيون مستغرقة في إغفاءة عن شر مستطير قد يحدث، ويتمثل في أن نتنياهو ووزيريه الشريرين يمعنان اقترافاً بأوضاع هنالك قوانين دولية ثبَّتت أحقيتها للفلسطينيين المقيمين بين غزة والضفة الغربية المحتلة.
تتمثل الوقفة، وهي الأولى بعدما باتت تركيا الأردوغانية أحد مثلث "اتفاقية مكة" لردع العدوان، بإعلان وزير العدل التركي يوم الجمعة 21 آب 2026 أنه طلب من وزارة الداخلية التركية إصدار "نشرة حمراء"، مما يعني ملاحقة نتنياهو دولياً على الذي ارتكبه وما زال في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.
بصرف النظر عما إذا كانت الوقفة هي ضمناً رداً على التحرشات الإسرائيلية العدوانية في سوريا، التي يعني نظامها الجديد الكثير للرئيس أردوغان، فإن مجرد صدورها عن الدولة التركية التي تعترف بإسرائيل من خلال إقامة العلاقات الدبلوماسية معها يترك انطباعاً بأن "النشرة الحمراء" لن تكون مجرد وقفة آنية، وإنما تستوجب مصداقية الحكم الأردوغاني تطوير الموقف إزاء إسرائيل تبريداً، والأفضل تجميداً، للعلاقات معها يمهّد لتعليقها، فضلاً عن أنه لا بد سيتشاور مع الركنين: الأول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ذلك أن كلاً منهما معني بما ارتأت تركيا اتخاذه، والتعمق في مضمون الاتفاقية المكية يعزز ما نشير إليه.
وثمة أحوال تعيشها الأمة، ويشكِّل المثلث السعودي – التركي – الباكستاني دوافع لاتخاذ موقف ردعي لما تقترفه إسرائيل نتنياهو. وليس أجدى إلى اتخاذ الموقف هذا من عقد قمة إسلامية تلتقي فيها الدول العربية والدول المسلمة الآسيوية والأفريقية على موقف يفوق، من حيث التأثير، ما تتضمنه "النشرة الحمراء" من إشارات ردعية، ذلك أن الحكومة البنيامينية لا تكترث بأي إشارات، ردعية كانت أو حمراء، ما دامت لا تصدر من قادة الأمتين مجتمعين متوافقين.
وكما أن إصدار اتفاق الرؤساء الثلاثة على مبدأ الدفاع شكَّل ملامح ارتياح وطمأنينة بأن للأمتين قادة يعنيهم المصير قبل أن يأتي مصير القضية الأساس، وذلك بوضع حد للاجتياحات والاعتداءات الإسرائيلية تحت سمع وأبصار الغرب الأميركي – الأوروبي والقطبين الكبيرين الصين وروسيا. هنا وجوب التذكير بأن انعقاد القمة الإسلامية في مكة المكرمة يعطي زخماً معنوياً للقادة المشاركين بحيث يتخذ كل منهم الموقف الذي يبرئ الذمة من عدم الاستهانة بما تفعله إسرائيل بذريعة أن الإدارة الأميركية حليفة لها في حيثما تشاء، وأن اتخاذ موقف غير ما هو عليه من جانب العرب والمسلمين إزاء إدارة الرئيس ترمب قد تنشأ عنه مفاجآت ليست في الحسبان، كأن يعتبر "قناة السويس" إقليماً أميركياً، ومناطق في دول الخليج وفي الجناح المغاربي من الأمة، وأيضاً مناطق في دول آسيوية، "أقاليم أميركية"، ولا أحد يقول له: من أجل استمرار الصداقة والعلاقة مع دولتكم العظمى، من المستحسن التعقل وخفض درجات التعظيم قولاً وممارسة. وإذا جاز القول، فإن الدول الأوروبية ستحترم ما تقرره القمة الإسلامية في حال إشراك، كضيفي شرف مستحبين، الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش ورئيسة المحكمة الجنائية الدولية (اليابانية توموكو أكاني) التي فُرضت عليها عقوبات أميركية، ذلك أن إشراكهما كضيفين مستحب حضورهما يعزز حدوث صحوة إنقاذية قبل فوات الأوان.
هنا تجدر الإشارة إلى أمرين. الأول هو أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الدول العربية والإسلامية، وليس العكس، كونها دول الثروات والتجارب الحضارية. وأما الأمر الثاني فهو أنه في مثل هذه الأيام من شهر آب 1969 انعقدت في الرباط أول قمة إسلامية، كان الدافع إلى عقدها أن الأمتين تواجهان مخاطر صهيونية بعد اقتراف إسرائيل إشعال حريق في المسجد الأقصى. وكان المأمول بعد انعقاد هذه القمة، التي كانت بمثابة حدث تاريخي، أن تحقق صحوة لدى القادة في دول الأمتين، لكن ذلك لم يحدث، وتزايدت الاستهانة الصهيونية بالعرب والمسلمين.
لعل وعسى تكون "النشرة الحمراء" الأردوغانية بداية استشعار دول الأمتين بأن الاجتياح الإسرائيلي المسكوت عنه لن يقتصر على غزة ولبنان و"تلة علي الطاهر" والمؤسسات الإنسانية (الأونروا على سبيل المثال لا الحصر)، وإنما سيدق، في شكل أو آخر، قلاع ودواوين القادة الساكتين من دون استثناء على الضيم المغلف بالإذلال البنياميني.
... والله الهادي.

