: آخر تحديث

خنق إيران.. هل ينجح سلاح ترامب الأخير؟

3
2
1

 

هذه المرة لا تبحث واشنطن عن هدف داخل إيران لتقصفه، بل عن الشرايين التي تبقي النظام الإيراني متصلاً بالعالم، من بيع النفط وتحريك عائداته إلى شراء ما يحتاج إليه وتمويل تجارته. والمعركة انتقلت من ضرب الأصول داخل إيران إلى مطاردة القدرة التي تسمح للنظام باستخدامها والاستفادة منها، والهدف الأميركي هو جعل هذا الاتصال أكثر صعوبة وكلفة كلما طال أمد الحرب.

الغاية السياسية من هذا المسار لم تعد خافية، وقد وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ما تُعِدّه بلاده بأنه "أكبر هجوم مالي جرى حشده ضد خصم"، وقال قبل ذلك إن الجمع بين الضغط البحري والعقوبات سيعمل ضد إيران، مضيفاً: "سنجعل هذا النظام ينهار".

والحقيقة أن هذه اللغة لا تترك مجالاً كبيراً لتفسير العقوبات باعتبارها مجرد أداة تفاوضية، فنحن أمام محاولة لاستخدام المال والتجارة كسلاح حرب يصل تأثيره إلى قدرة النظام نفسه على الاستمرار.

بالتوازي مع ذلك، وسعت إدارة ترامب دائرة الاستهداف أيضاً لتشمل من يساعد طهران على إبقاء اقتصادها متصلاً بالخارج. وقد لا تكون الشركة إيرانية ولا تعمل داخل إيران، لكن تمويل تجارتها أو تسهيل وصولها إلى الأسواق يمكن أن يضعها تحت خطر العقوبات الأميركية. وهذه هي القوة الحقيقية للعقوبات الثانوية، فهي تجعل الخوف يسبق القرار نفسه. أحياناً يكفي احتمال التعرض للعقوبة كي ينسحب مصرف، أو ترفع شركة تأمين السعر، أو تقرر شركة أن الصفقة الإيرانية لم تعد تستحق المخاطرة.

ويأتي النفط في مقدمة هذه المعركة، لأنه المصدر الذي لا تستطيع طهران الاستغناء عنه للحصول على العملة الصعبة. فقد هبطت الشحنات الإيرانية بشدة منذ اندلاع الحرب، وتشير بيانات "كبلر" إلى أن الصادرات بلغت نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بمتوسط يقارب 1.4 مليون برميل يومياً خلال 2025. كما أن أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المشحون كان يذهب إلى الصين، ما يجعل اعتماد طهران على عدد محدود من المشترين والمسارات نقطة ضعف يمكن الضغط عليها.

لكن إخراج البرميل من الميناء لا يعني أن طهران نجت به، فالنفط الذي يصل إلى المشتري تحت العقوبات لا يُباع بالشروط الطبيعية، إذ تدخل كلفة التأمين والوسطاء وإخفاء المنشأ وتحريك الثمن في الحساب، وينتهي الأمر بعائد أقل ومخاطرة أكبر. وواشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى مصادرة النفط الإيراني كي تؤلمه، يكفي أن تجعل الوصول إلى السوق أقل ربحاً وأكثر تعقيداً.

حتى النفط الذي لم يُبع بعد بدأ يدخل في دائرة الاستنزاف. فقد تراجع المخزون العائم، أي النفط المحمل على ناقلات بانتظار فرصة للبيع، من نحو 105 ملايين برميل إلى قرابة 80 مليوناً، ولم يبق في المياه الآسيوية سوى نحو 30 مليون برميل، وفق بيانات "كبلر". وبالتالي، فما تفقده طهران هنا ليس مجرد كمية مخزنة، بل مساحة كانت تسمح لها بانتظار اللحظة المناسبة والالتفاف على اضطراب التصدير.

ومن المثير للاهتمام أن ما يسمى بأسطول الظل وفّر طوال سنوات مخرجاً مهماً من العقوبات، عبر ناقلات وشركات تتغير ملكيتها أو أعلامها، وتستخدم عمليات نقل ومسارات يصعب معها تتبع مصدر النفط ووجهته. غير أن هذه الخبرة التي منحت إيران قدرة على المناورة تحمل نقطة ضعفها أيضاً، فكلما اضطرت طهران إلى تعقيد عملية الإخفاء، دخل مزيد من الشركات والأشخاص والمسارات إلى العملية، واتسعت معها الآثار التي يمكن تعقبها.

بلا شك، بهذه الصورة تتحول العقوبات من أسماء تُضاف إلى قوائم أميركية إلى مطاردة استخبارية مستمرة، فإسقاط شركة تعمل كواجهة لا يوقف التجارة الإيرانية، لكنه يجبر النظام على إيجاد البديل. وبالتالي، فكل بديل يحتاج إلى بناء علاقات ومسارات مالية جديدة.

في تقديري، هنا تحديداً قد تكون طهران تبالغ في الثقة بخبرتها السابقة، لأن القدرة على الالتفاف لا تعني أن إعادة بناء الشبكات ستظل بالسرعة والكلفة نفسيهما في كل مرة. إذا أصبحت إعادة البناء نفسها عملية استنزاف، تكون إحدى أهم أدوات النجاة الإيرانية قد بدأت تعمل ضد أصحابها.

لكن المشكلة، في الحقيقة، لا تنتهي عند إخراج النفط والبضائع من إيران. النصف الأكثر حساسية يبدأ عندما تحاول طهران الوصول إلى الثمن واستخدامه، ولهذا استهدفت وزارة الخزانة ما تصفه بمصارف الظل، وهي في الواقع شبكة من شركات الواجهة وبيوت الصرافة والوسطاء والحسابات الخارجية التي تسمح بتحريك الأموال بعيداً عن المسارات المصرفية التقليدية. وامتدت المطاردة أيضاً إلى العملات المشفرة والمنصات التي تقول واشنطن إن النظام الإيراني يستخدمها للوصول إلى النظام المالي الدولي بطرق يصعب مراقبتها.

بلا شك، تستطيع طهران الانتقال من قناة مالية إلى أخرى، وقد أثبتت طوال سنوات أنها قادرة على ذلك، لكن كل انتقال جديد يرفع الكلفة، ويزيد عدد الأطراف الداخلة في العملية، ويجعل المسار أكثر عرضة للكشف. وهذا هو الفارق بين وجود بديل وبين نجاح البديل، فالطريق الذي يسمح بتحريك المال قد يظل مفتوحاً، لكنه لا يعود بالضرورة آمناً أو رخيصاً أو قادراً على حمل الحجم نفسه من التدفقات.

الاختبار الحقيقي لترامب سيكون في القدرة على إبقاء هذا الضغط متماسكاً فترة كافية. فإذا أصبح الخوف من العقوبات أقوى من جاذبية التعامل مع السوق الإيرانية، واستطاعت واشنطن كشف شبكات الالتفاف بوتيرة أسرع من قدرة النظام على استبدالها، فلن تكون بحاجة إلى منع آخر برميل أو إغلاق آخر حساب.

فهل ينجح سلاح ترامب الأخير؟ الأرجح أنه قادر على استنزاف إيران بقوة، لكن نجاحه في خنقها إلى الحد الذي يغير حساباتها السياسية أو قدرتها على مواصلة الحرب سيعتمد على طول المدة ومدى قدرة واشنطن على إغلاق منافذ الالتفاف. فقد تستمر طهران في العثور على طرق جديدة كما فعلت طوال سنوات، لكن كل طريق سيصبح أغلى من سابقه، وكل دولار تخسره في الشحن والوسطاء والخصومات هو دولار لا يصل إلى اقتصادها ولا إلى آلة الحرب.

وهنا تكمن قوة السلاح الجديد، فهو لا يحتاج إلى إغلاق كل المنافذ كي ينجح، بل يكفي أن يجعل إبقاءها مفتوحة أكثر كلفة مما تستطيع إيران تحمله مع الوقت.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.